"أحداث سبتة"... لماذا كل هذا الانزعاج الأوروبي؟

07 اغسطس 2026
+ الخط -

كلّنا يعلَم أنَّ الهجرة ليست ظاهرة جديدة، لكن كيف نُفسّر هذا الاستنفار الأوروبي، وليس الإسباني فقط، رسمياً، إعلامياً وشعبياً إزاء "أحداث سبتة"؟ لنترك جانباً التفسيرات المرتبطة بالخوف من الهجرة غير النظامية باعتبارها تُشكّل، كما تقول الدول الأوروبية، عبئاً اجتماعياً ومالياً ومرتعاً للجريمة المنظمة وشبكات التهريب، إلخ. ولنبدأ القصة من حيث يجب البدء. حسَب صحيفة إلباييس الإسبانية، بدأت الأحداث بإشاعة على مواقع التواصل الاجتماعي تفيد بأنَّ معبر "باب سبتة" فُتح بالكامل، وأنَّ هناك قراراً للمحكمة العليا الإسبانية اعتبر أنَّ الإعادة الفورية للمهاجرين لا تنطبق على الأشخاص الواصلين عبر البحر. بعد ذلك تطورت الأحداث، بشكل سريع، تزامناً مع وصف رئيس حكومة سبتة الوضع بأنه حالة طوارئ عاجلة، مطالباً حكومة مدريد بتولّي إدارة الأزمة مباشرة. حينها توجّه رئيس الوزراء الإسباني، شخصياً، إلى سبتة لمتابعة إدارة الأزمة من هناك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت المواجهات إلى الداخل الإسباني. فزعيم حزب الشعب اتّهم الحكومة بالتسبّب بـ"أزمة أمن قومي"؛ أما زعيم حزب ڨوكس اليميني وصَف ما جرى بأنه "غزو"، مُحمّلاً الحكومة مسؤولية الأحداث.

وامتدت الأزمة، أيضاً، إلى الدول الأوروبية من خلال تصريح لافت لرئيسة الوزراء الإيطالية التي صعّدت الموقف، معلنةً تعليق العمل بترتيبات "اتفاقية شينغن" لمدة شهر. بعد ذلك، دخل على الخط مُفوّض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة معلناً استعداده لتقديم دعم إضافي لإسبانيا من أجل حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ وشدّد كذلك وزير الداخلية الفرنسي على ضرورة ضبط حدود بلاده مع إسبانيا، وتداعيات ذلك في الدول المجاورة مثل سورية وغيرها. واستمرت كرة ثلج "أحداث سبتة" بالتدحرج إلى أن وصلنا للتدويل الإعلامي الشامل بعدما لم تُفوّت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الفرصة، إذ استغل بعض المسؤولين في إدارته الحدث للدفاع عن سياساتهم المتشدّدة في ملف الهجرة. وهكذا تطورت الأمور إلى أن أصبحت إشكالية "عبور المهاجرين إلى سبتة" موضوع الساعة على المستوى الأوروبي والعالمي، وتجلّى ذلك، بوضوح، في البيان الجماعي المشترك الذي جاء نتيجة مبادرة أطلقتها إيطاليا والدنمارك وأيّدتها 22 دولة أوروبية من بينها: النمسا، السويد، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، فنلندا، التشيك، بولندا، إلخ. بيان رفَض بشكل مطلق "استغلال ملف الهجرة أو غيرها من التهديدات الهجينة التي تخلق انطباعاً أنه بالإمكان دخول الاتحاد الأوروبي، وأنَّ هذا الدخول يمكن أن يتحوّل، لاحقاً، إلى إقامة قانونية".

تنظر أوروبا لنفسها بوصفها قلعة متمدنة محاصرة، محكومة بعقدة تاريخية ونفسية تجعلها ترى في هجرة الجنوب تهديداً وجودياً ومعركة ضد ما تعتبره همجية

هذا البيان دفع مجلس العدل والشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي إلى الانعقاد العاجل، لمناقشة تطورات أحداث سبتة وتداعيتها الإقليمية والدولية. الاجتماع الذي أكد في بيانه، الصادر يوم الثلاثاء 4 أغسطس/ آب 2026 "ضرورة مواصلة مكافحة شبكات تهريب المهاجرين بلا هوادة، وتقوية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي"، مُشدّداً على أنَّ "تأمين هذه الحدود مسؤولية أوروبية مشتركة"، وذلك في إطار الاستعداد لاتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات صارمة في الاجتماع الوزاري وقمة المجلس الأوروبي في شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

لنطرح السؤال إذن: هل كل هذا الذي جرى ويجري الآن مجرّد فقاعة إعلامية عابرة؟ أم أنه يُعبّر عن أزمة سياسية عميقة وطويلة المدى؟ لا يبدو من خلال الطريقة والسرعة التي تطور بها النقاش السياسي الواسع، رسمياً وإعلامياً، أنّنا أمام مجرّد موجة عابرة للهجرة غير النظامية، بل من المُتوقّع، في المستقبل المنظور، أن تجري إعادة رسم طبيعة النقاش السياسي والفكري من أجل التداول حول قضايا، شديدة الحساسية، داخل الاتحاد الأوروبي من قبيل الانقسام السياسي الحاد بين اليمين واليسار، وبين "يمين اليمين" و"يسار اليسار"، حول قضايا الهجرة والأمن والحدود وحقوق الإنسان، بالإضافة كذلك إلى المسألة الشائكة حول العلاقة بين أوروبا و"غيرها" الثقافي.

لقد كانت أوروبا، في الماضي القريب، ترى أنّه من الطبيعي أن تذهب هي عند الغير (الاستعمار ونتائجه)؛ أمّا أن يقصدها هذا الغير ويستقر في ربوعها، فهذا ما لم تتحمّله طويلاً، فباتت تنظر إلى نفسها على نحو الإمبراطورية الرومانية، أي عبارة عن قلعة مُتمدّنة ومحاصرة من لدن أقوام لا تعرف ما القانون؟ وما النظام؟ وهنا يكمن السرّ التاريخي والنفسي الذي يقف وراء انزعاج أوروبا الدائم من مسألة "هجرة الجنوب"، فهي تعتقد أنها تخوض حرباً مقدّسة ضد الهمجية البربرية. فلا غرابة، إذن، أن نقرأ ونسمع عناوين عن "أحداث سبتة" في وول ستريت جورنال الأميركية، مثلاً، من قبيل: "المغاربة يغزون إسبانيا!"، أو في صحيفة ديلي إكسبريس البريطانية: "معركة من أجل مستقبل حضارتنا!"، أو في راديو جنوة الإيطالي: "أوروبا تتعرض لهجوم إسلامي"، إلخ. وأن نلاحظ، كذلك، في إعلام اليمين الأوروبي، عموماً، رواجاً كثيفاً لمفردات مثل: "الاجتياح"، "الغزو الإسلامي"، "أزمة أمن قومي"، "الكارثة"، "التهديد الوجودي"، "تأمين الحضارة"، إلخ من المصطلحات التي تعكس، شئنا أم أبينا، شعور العامة في الغرب. هذا الشعور قد يرفضه بعض المثقفين، لكن هل ستصمد أمامه النخب السياسية؟

حسن زهير
حسن زهير
كاتب وباحث من المغرب؛ أستاذ مادة الفلسفة، حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في شعبة الفلسفة، تخصص "فضاءات الفكر في الحضارة العربية الإسلامية" من جامعة محمد الخامس بالرباط. كاتب مقالات حول علاقة الفكر بالسياسة، والثقافة بالمجتمع. يعرّف عن نفسه بالقول "قوى التطور دائما غالبة مادام في الإنسان حب الحياة!".