أبو زعيزع وزوجته زعزوعة

أبو زعيزع وزوجته زعزوعة

01 يوليو 2021
+ الخط -

ذات يوم، من سنة 2013، حضرت طفلة مصرية، اسمها نور عثمان، إلى برنامج الهواة الشهير "أراب غوت تالنت"، وغنت أغنية كوميدية أدهشت الحاضرين والجمهور، هي "يا أبو زعيزع قومْ صَلّي"، وقد انتشرت الأغنية على اليوتيوب، وحققت، حتى الآن، 97 مليون مشاهدة، وهو رقم مذهل لم يبلغه سوى بعض الدعاة الدينيين المشاهير.

لم يتحدث أحد من محكمي البرنامج الذين يفترض بهم الإلمام بعالم الغناء، عن أصل هذه الأغنية، فبدت وكأنها واحدة من العديَّات التي ينشدها الأطفال في الأعياد، على غرار العدية السورية الشهيرة: يابو اللواني، يا حاج محمد، أو: يا شميسة اطلعي لي، تَـ أنشر غسيلي..

يمكننا أن نغامر، فنقول إن أغنية "أبو زعيزع" واحدة من ألعاب العباقرة الكبار، ولكي نفهم ذلك، يكفي القول بأن مؤلفها هو صلاح جاهين (1930- 1986)، أستاذ أساتذة الشعر الشعبي والرسم الكاريكاتيري في مصر والبلاد العربية كلها، وأما ملحن الأغنية فهو الشيخ سيد مكاوي الذي ملأ الدنيا ألحاناً وزعها على كبار مطربي عصره، استلهم بها روح الشعب المصري، وقد توج فتوحاته اللحنية بأغنية أم كلثوم الشهيرة "يا مسهرني"..

لأغنية "يا أبو زعيزع" قصة هزلية، أو إذا شئت "كاريكاتيرية"، تقوم على مجموعة من الأسس، أولُها أنه نحت اسم بطل الأغنية من الشكل الخارجي للرجل، ففي الحارات الشعبية القديمة، سواء في مصر أو في غيرها، حين كانوا يصفون رجلاً ذا شكل مضحك، يقولون: وكان حالق شعره ع النمرة زيرو، وتارك من قدام زعزوعة (خصلة سائبة) بياخدها الهوا وبيجيبها.. وحاطط على راسه طرطور قماش، ولابس حطاطة كان لونها في يوم من الأيام أبيض، والحطاطة لافّة على راسه كويس، ما عدا (زعزوعة) شعر بتطلّ من قدام بين الحين والآخر، وكأنها عم تقول للناس: شوفوني أنا هنا.

في أغلب الأحيان يتحول الشخص ذو الزعزوعة إلى رجل "زهراوي"، يعني واحد ممن يتبادلون المزاح مع مَن حولهم، ويساهمون في صناعة النكتة، وأثناء المزاح لا يخاطبه جيرانُه بـ "أبو زعزوعة" ناشفة، بل يدلّعونه فيصبح "أبو زعيزع"، ومن جهة أخرى يتجهون في تسميته "أبو زعيزع" نحو التذكير، ولا ينسى صلاح جاهين أن يسمي امرأته، أي حرمه المصون، ويسميها (زعزوعة)، وبذلك يحصل ما يسميه النحاة: الجناس اللفظي، ونكون أمام عائلة قائمة أساساً على الزعزعة، والزعازيع!

يا لها من خيبة أمل عجيبة. يا ترى ماذا فعلت المدام زعزوعة حتى صدمته بهذا الخواء؟ أين الأكل يا ناس؟ هنا، يبدأ المؤلف بإدارة حوار طريف جداً بين الزوج والزوجة

إن كلمات أغنية "أبو زعيزع" غاية في الإتقان الكاريكاتيري الذي يجيده صلاح جاهين وسيد مكاوي اللذين أنجزا من قبل الرباعيات، والليلة الكبيرة، وفيها يغني "مسا التماسي يا الـ قاعدين ع الكراسي"، وأغنية "طار في الهوا شاشي وأنت ما تدراشي"..

المهم؛ تبدأ (القصة /الأغنية) بنصيحة لأبو زعيزع بأن يذهب لصلاة الجمعة، فغيابُه عن البيت يمنح المدام زعزوعة فرصة لكي تطبخ وتقلّي: 
يا بو زعيزع قوم صلي
دا أنتَ في ريح المتولي 
خلي مراتك زعزوعة
تلحقْ تطبخ وتقَلّي

ويحثه على أن يتخلى عن التقتير الذي اعتاد موظفو الحكومة ممارسته بقصد أن يكفيهم المعاش حتى آخر الشهر. يصادف أن تبدأ الحكاية في وقت مبكر من الشهر، وهو يوم جمعة، لذلك يزين له الراوي الأمر بقوله:
 لسه الشهر تنين منُّه
والجيبْ عَمْرانْ على سنُّه
ويا مَحْلى يوم الجمعة 
والغَدْوة رز بدمعة
واللحمة كَمُّونية
والفتة بالتقليّة.. 
بمهارة عالية، ينتقل مؤلف الأغنية بين ضمير المخاطب وضمير الغائب. ويروي لنا ما جرى بقوله:
أبو زعيزع راح صلى
ورجع من الجوع يتقلَّى 
لقى بوابيره مطفيّة 
والحلة كمان مكفية..

يا لها من خيبة أمل عجيبة. يا ترى ماذا فعلت المدام زعزوعة حتى صدمته بهذا الخواء؟ أين الأكل يا ناس؟ هنا، يبدأ المؤلف بإدارة حوار طريف جداً بين الزوج والزوجة.
يقول لها: 
زعزوعة يا زعزوعة
مالك كده مَرْزُوعة؟
وتأتيه المفاجأة الصادمة:
 قالت له عندي زغطَّة 
واللحمة كَلِتْها القطة!!!

عندما تصل الحكاية إلى هذه النقطة الحساسة، يضع صلاح جاهين يده على سر الحبكة، ويتمكن من حشد أجمل أنواع الكوميديا، لتصبح على النحو الآتي: (المدام زعزوعة ادعت أن القطة أكلت اللحمة، وأبو زعيزع يكشف اللعبة من خلال المنطق الحسابي البسيط: وزن القطة كيلو، ووزن اللحمة كيلو، فإذا كانت القطة قد أكلت اللحمة بالفعل، فالمفروض أن يكون وزنها (2 كيلو)..

وتأتي صياغة الحبكة القصصية غناءً على النحو الآتي:
الراجل بقى يتكفَّى 
حط القطة في الكَفَّة (يقصد كفة الميزان)
القطة طلعت كيلو 
واللحمة كانت كيلو
يا بروطَّة يا أم زغطَّة 
هُوَّ مفيش عندك رحمة؟
آدي اللحمة فين القطة؟ 
وآدي القطة فين اللحمة؟!!

خاتمة: توجهتُ بالسؤال إلى صديقي الموسيقي ميسر شتات، حول أغنية أبو زعيزع، وقلت له إنني لاحظتُ وجود تشابه بينها وبين أغنية فيروز "تك تك يا أم سليمان".. فأجابني، مشكوراً، أن المقام الذي اعتمده الشيخ سيد مكاوي هو "العجم"، والإيقاع "فوكس"، وأغنية فيروز المذكورة التي لحنها الأخوان الرحباني جاءت على المقام نفسه والإيقاع نفسه. ولم ينفِ وجود التشابه.