الانقلابيون وعقدة البيان رقم (١)

03 فبراير 2021
+ الخط -

الجيوش المنقلبة تثير الضحك، ليس عقب الانقلاب فقط، بل عندما يصدر عنها البيان الأول المحفوظ غيباً، الذي تتعهد فيه بإجراء انتخابات نزيهة، إذ لم يُسجَّل في تاريخ الانقلابات البشرية منذ انقلاب قابيل على أخيه هابيل وقتله، إلى انقلاب السيسي على مرسي، أن انقلاباً دموياً قد أجرى انتخابات ديمقراطية أو جاء بنظام حكم  يشرك فيه الشعب أو يصبّ في مصلحته.

"سو تشي" زعيمة ميانمار التي انقلب عليها الجيش قبل أيام، شخصية أكاديمية رفيعة، دافعت عن الجيش وجرائمه معتقدة أنها ستَسْلَم من بطشه، أيدت جرائم التطهير العرقي ضد المسلمين، رغم أنها خريجة جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة، ونالت درجة البكالوريوس في الفلسفة والسياسة والاقتصاد عام 1969، والدكتوراه من جامعة لندن عام 1985، وعملت محاضِرة في مدرسة الدراسات الشرقية في لندن.

هذه الأكاديمية التي سخّرت علمها لدعم العسكر وتبرير جرائم جنرالات بلادها عوضاً عن مواجهة العنصرية والنضال ضد التطهير العرقي الذي يمارسونه، انقلب عليها الجيش رغم كل ما فعلته، وهو درس في أن مخالفة المبادئ وتأجير المثقف لعقله وضميره ينتهي به إلى هذه النهاية البائسة، وأن محاولة مغازلة الانقلابيين والتواطؤ معهم انتحار ذاتي، فالمدني في المخيال الفكري والتكوين النفسي للعسكري هو خصم، لا بد من إبادته.

إن وصول الجيش للسلطة واحتكاره للقوة العسكرية، واستحواذه على القوتين الاقتصادية والإعلامية، يجعل من المعركة معه صفرية وغير متوازنة البتة

وفي بلادنا العربية تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية، وإن جاء بعضها تحت مسميات ثورية، كانقلاب عام 1952  ومن ثم انقلاب عبد الناصر على الانقلاب، وانقلابات سورية والقذافي، إلى انقلاب الجيش على مبارك، وسلسلة الانقلابات الدموية التي جرفت مقدرات الدولة، وأذكت الانقسامات الإثنية والعرقية والجهوية، وفشلت في بناء الدولة الوطنية، تاريخ طويل من التدمير الممنهج، وصولاً إلى انقلاب عبد الفتاح السيسي الذي كان الأكثر دموية في العصر الحديث.

إن عقدة البيان الأول الذي يتعهد فيه قادة الانقلاب بإجراء انتخابات نزيهة يؤشر على حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن العسكر هم أنفسهم أكثر من يعرف حجم الجريمة التي ارتكبوها بانقضاضهم على الديمقراطية أو الديمقراطية الناشئة، وفي محاولة أولى لتبرير تلك الجريمة يقوم كل انقلابي بالتعهد بإعادة الديمقراطية، كما فعل  وزير الدفاع في حينه عبد الفتاح السيسي عقب انقلابه عام 2013 على الرئيس المدني محمد مرسي، إذ لم يكتف الرجل بالتعهد بإعادة الحكم للمدنيين عبر الانتخابات، بل أقسم أن لا مطمع للجيش في السلطة، وها هو الجنرال اليوم يدخله عهدته الثانية مستعداً للعهدة الثالثة.

إن كل من انقلبوا على حكومات مدنية لم يجروا انتخابات نزيهة، بل استولوا على السلطة، وحكموا بالحديد والنار، وأودعوا المعارضين السجون، وعطلوا التنمية، وتحولوا لوكلاء للخارج يسخرون مقدرات بلادهم له في سبيل إبقائهم في السلطة، فالأزمة الحقيقية للانقلابيين أزمة شرعية، بفقدانها رهن هؤلاء مصيرهم بالخارج، واستمدوا شرعيتهم منه.

إن صراع العربي مع عساكر بلاده يطرح تساؤلات ملحّة عن الأدوات الأكثر ملاءمة في نضاله من أجل الديمقراطية، وما السبيل الذي ينبغي له انتهاجه وهو يرى أن سياسة الاصطدام مع المؤسسة العسكرية قد فشلت كما في نموذج الجزائر في التسعينيات. بالمقابل، إن سياسة المهادنة فشلت هي الأخرى كما جرى في انقلاب مصر 2013، رغم كل محاولات الرئيس محمد مرسي لاسترضاء العسكر، كذلك إن التغيير من الداخل الذي انتهجه حزب العدالة والتنمية في المغرب انتهى برئيسه في مشهد مهين لا يحسد عليه، يوقع على اتفاق تطبيعي مع دولة الاحتلال، ما عكس فشلاً واهتراءً انتهى له الحزب الذي لم يصمد طويلاً وهزمته حمى السلطة.

أما الثورات المسلحة، كما الحال في سورية وليبيا، فتحولت إلى حروب إقليمية ودولية بالوكالة، والسلمية كحال مصر اختطفت، وتونس يجري إجهاضها، والجزائر لم يغادر العساكر أصلاً مكانهم في الحكم والسياسة.

في العالم العربي، إن وصول الجيش إلى السلطة واحتكاره للقوة العسكرية، واستحواذه على القوتين الاقتصادية والإعلامية، يجعل من المعركة معه صفرية وغير متوازنة البتة، فلا يمكن أن تنجح ثورة إذا كان هناك عسكر راغبون في السلطة، بمعنى أنه إذا لم يكن هناك قناعة لدى المؤسسة العسكرية بعدم الانخراط في السياسية، فلا يوجد أمل في نجاح أي حراك سلمي، ومن حظ العرب السيّئ أن معظم جيوشهم راغبة في السلطة، بل وتوريثها أباً عن جد.