اليمن.. العالقون أمام المنزل

ريم مجاهد

30 أبريل 2015

أن تكون مسافرا بينما بلدك يغلي، ذلك بحد ذاته حزن، وأن تكون عالقا في مطار ما، أو مدينة ما، بسبب حرب تطحن بلدك فذلك أشد حزنا، أما لو كنت عالقا تنتظر أن تصلك رسالة تخبرك عن مقتل أحد أحبائك، فهنا تكون قد صعدت إلى قمة الحزن، ثم وما في قمة الحزن لا يسمى ولا تحكيه الحكايا.

مع بدء عمليات القصف من قبل طائرات التحالف، خلقت فئة أطلق عليها اسم "العالقون"، هؤلاء الذين علقوا في المطارات والمدن بسبب إغلاق المطارات اليمنية، ووقف الرحلات تماما إلى اليمن، كثيرون كانوا في سبيل عودتهم ذلك اليوم، وآخرون كانوا عائدين في الأيام التالية، توقفت حياتهم فجأة ولم تكن لديهم خطط بديلة، تقول الإحصائيات إن هناك الآلاف من العالقين اليمنيين في المطارات والمدن حول العالم، لم يستطيعوا العودة إلى بلدهم ولم يكن لجوازهم الاحترام الكافي لكي تقبلهم الدول الأخرى، فعلقوا هناك ما بين تأشيرة ترفض الدول منحهم إياها، وما بين سلام في بلدهم ترفض الدول الأخرى أيضا، مع المجانين والخونة الذين في الداخل منحهم إياه، أغلبهم من المرضى والطلبة، مرضى قرروا أن يعودوا ليرتاحوا في أسرتهم وبين ذويهم، ليلتحفوا أغطيتهم ويشتموا رائحة غرفهم، مرضى لا يستطيعون البقاء لأن جيوبهم لا تحتمل، وطلبة يعيشون على الكفاف، ومسافرين آخرين كانوا في عمل أو في تدريب أو سياحة أو أي شأن يسافر الإنسان لأجله، ثم حين توجهوا إلى المطارات، ومثل أن يغلق باب بيتك في وجهك، فتتأكد أنك ستنام في العراء، وحتى تلك الشجرة القريبة لن تنام تحتها، قيل لهم: لن تخرجوا، وكذلك لن تدخلوا!

تخيل أن تصرف شهرا كاملا جالسا على كرسي المطار، أو في غرفة في مدينة غريبة تشاهد قناة إخبارية تخبرك مرارا أن هناك جحيماً، هناك، في بلدك، مدينتك، شارعك، حيك، وتنتظر برعب لا يمكن تهدئته أن تصلك رسالة أو اتصال يخبرك بأن من تحبهم هناك قد ذهبوا إلى الأبد، في البداية كانت تصلك رسالة تقول لك كلا لم يموتوا حتى الآن، بل مات فلان الفلاني أتعرفه؟ ذاك جارنا وذاك ابن جارتنا وتلك الطفلة التي عرفتها يوما وذلك الرجل الذي كان أستاذك، أن تقرأ أخبار رحيل كل هؤلاء لكنك ترتكن بعرفان أن من لا يجب أن يموتوا من وجهة نظرك ما زالوا أحياء، لكن بعد أسبوعين من الحرب المجنونة ومن الأخبار المروعة، انقطع خيط الأمل، ذاك الذي كان يمدك بالعرفان، وأنت عالق هناك، سواء على كرسي المطار أو في غرفة بائسة لوحدك، أو ضمن عالقين أمثالك، خيط الأمل انقطع لأن الكهرباء انقطعت والحياة أيضا، وتنتظر وتنتظر وتنتظر وحين يبدو لك رأس أحدهم في مواقع التواصل الاجتماعي تنقض عليه كالصقر، أين البقية؟ ما الذي حدث؟ ألم تعد الكهرباء؟ هل كانت القذائف والصواريخ بعيدة أم أنها اقتربت؟ وتخيل أنت، وتخيلي أنتِ، كم من هؤلاء الآلاف من العالقين رغما عنهم وصلته رسالة من قبيل "بيتكم تهدم بالكامل"، "البقية في حياتك أهلك قتلوا"، "صديق عمرك مات برصاص قناصة"، "ابنك قتل برصاص مضاد طيران عاد من السماء، لم يخدش طائرات التحالف لكنه أطاح برؤوس كثيرة، منها رأس هذا الذي تعرفه كثيرا..".

ما الذي يمكن أن يهبه لك الأمان الذي اكتسبته كونك عالقاً؟ المزيد من الرعب والمزيد من الهوان، المزيد من الدموع والمزيد من القلق والشعور بالذنب والخذلان، ستجوع كثيرا وستتمنى لو تنام على فراشك، لو لديك المال، لكن لن تصيبك رصاصة ولا شظية قذيفة ولن تستنشق الغاز السام الذي تطلقه الصواريخ، لن تموت من الخوف، مثل الصبي الذي خاف حتى الموت في عدن، لن يسقط عليك رصاص المضادات من السماء، كما العديد من الأشخاص الذين نعرفهم ويعرفهم من نعرفهم، ولن تختبئ من قناص يقف في الواجهة المقابلة، لكنك ستعرف كل هذه التفاصيل، ستبحث عنها كالمجنون، ستتخيل وجوه كل من تحبهم وكل من عرفتهم، وستبكي كثيرا وستقول في كل لحظة: أنا آسف لأني لست معكم، لست بينكم، أريد أن أموت معكم، ولن يجيبوك سوى بجملة من قبيل: لو متنا ستعيش أنت!

(اليمن)

جميع حقوق النشر محفوظة 2017