إعلان باريس للحلّ الليبي بلا تواقيع: تعهدات على الورق

Your browser doesn’t support HTML5 video

لم تكتمل فرحة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في محاولته، أمس الثلاثاء، تسجيل انتصار دبلوماسي لفرنسا من بوابة الملف الليبي، باحتضانه المؤتمر الذي جمع أقطاب الحرب والسياسة في هذا البلد، أي رئيس حكومة الوفاق فائز السراج واللواء خليفة حفتر ورئيس البرلمان عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، و19 من الدول الإقليمية والغربية الفاعلة في التدخل بشؤونه. صحيح أن اتفاقاً لفظياً مهماً صدر في ختام اجتماعات، وحدد العاشر من ديسمبر/كانون الأول المقبل موعداً للانتخابات التشريعية والرئاسية، وسجّل تعهد توحيد المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية، غير أن ما تخلّل الإعلان والمؤتمر الصحافي الذي تلاه، أظهر أن لقاء باريس ربما يكون محطة إضافية في مسلسل المحطات الفاشلة لمشاريع الحلول الليبية من خرائط طرق باريس وأبو ظبي ومصر (2016 و2017) والصخيرات (2016) والرباط (2018) فاجتماع باريس مجدداً (لقاء أمس). فالمشاكل الرئيسية بدا أنه لم يتم التطرق إليها، وهو ما أدّى إلى عدم توقيع المسؤولين الليبيين الأربعة على البيان الختامي، والاكتفاء بتسجيل أسمائهم في ذيل البيان، بلا توقيع وموافقتهم اللفظية عليه.

وظهر أن العقدة الرئيسية، أي تمسك خليفة حفتر بقيادة المؤسسات العسكرية شخصياً، لا تزال العقدة الأبرز، وهو ما تُرجم بقول فائز السراج، في المؤتمر الصحافي الذي تلى تلاوة البيان الختامي، إنه لا بد أن تكون المؤسسات الأمنية بعد توحيدها "بقيادة شخصية مدنية"، وهو كلام موجه إلى اللواء حفتر أساساً، فضلاً عن تصويب السراج على حفتر من عنوانين اثنين: معركة درنة التي يقودها حفتر، والتي أصر السراج أمس على وقفها وفتح ممرات إنسانية إلى المدينة الشرقية، ثم قول السراج ما مفاده بأنّ لا حل ليبياً  طالما أن "دولاً أجنبية تتدخل في الشؤون الليبية"، وهو كلام عادة ما يُقال في إطار مهاجمة الدعم الإماراتي ــ المصري خصوصاً، والفرنسي تالياً، لحفتر ومعسكره. واتفق كل من حفتر والسراج والمشري وصالح على عدم التوقيع على البيان الختامي الذي حدد 16 سبتمبر/أيلول موعداً أقصى لوضع قانون انتخابات 10 ديسمبر، بذريعة أنهم بحاجة إلى عرض مضمون الاتفاق على مؤسساتهم، أي على المجلس الأعلى للدولة وحكومة الوفاق وبرلمان طبرق والمليشيات المسلحة المختلفة.

في الخلاصة، فإن اتفاق باريس، غير الموقَّع، ربما يشكل محطة جديدة للاتفاقات التي تذهب أدراج الرياح، مثلما حصل في الاتفاق السياسي (ديسمبر 2016) وإعلان باريس في خلوة سان كلو (2017) ولقاءات القاهرة وأبو ظبي وروما في السنتين الماضيتين، وجميعها لم تجد حلاً لعقدة المادة الثامنة من الدستور، المتعلقة بالهوية العامة للشخصية التي ستقود وزارة الدفاع و/أو المؤسسات الأمنية، ويصر حفتر على احتكارها بنفسه، بينما يرغب مسؤولو الحكومة المعترف بها دولياً، بقيادة السراج والمجلس الأعلى للدولة، بأن تكون شخصية مدنية تُبعد شبح التسلط العسكري والانقلابات. وقد حاول ماكرون التعويض عن غياب تواقيع المسؤولين الليبيين الأربعة عن ذيل البيان الختامي، بحركة استعراضية أمام ممثلي الدول والمنظمات الـ19 المشاركة، فسأل حفتر والسراج ومشري وصالح علناً بصوت مرتفع عما إذا كانوا ملتزمين بالبنود الثمانية وموافقين عليها، فردوا عليه شفهياً بالإيجاب، فكرر سؤاله بالفرنسية إلى ممثلي الدول والهيئات الأجنبية، ففعلوا الأمر نفسه في أجواء حاول ماكرون إضفاء طابع احتفالي عليها.



وأكد الموقعون الأربعة على "عدم استمرار الوضع السياسي والأمني الراهن والانسجام التام مع مطالب المجتمع الدولي بضرورة إحلال السلام من خلال انتخابات شاملة ونزيهة تحقيقا لمطالب الشعب الليبي". والتزموا بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية فى 10 ديسمبر والاعتراف بنتائج الانتخابات مهما كانت وبدعم جهود الأمم المتحدة ومبعوثها غسان سلامة من خلال التالي:
1ــ الإقرار بأهمية وضع أسس دستورية للانتخابات ودعم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة (سلامة) في المشاورات التي يجريها بشأن تقديم اقتراح لاعتماد الدستور الجديد وتحديد المهلة الزمنية لذلك. 2ــ الاتفاق على إجراء إنتخابات برلمانية وكذلك انتخابات رئاسية ووضع الأسس الدستورية للانتخابات. 3ــ اعتماد القوانين الانتخابية الضرورية بحلول 16 سبتمبر 2018 وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 10 ديسمبر. 4ــ الالتزام رسمياً بقبول متطلبات الانتخابات وتنظيم دورة جديدة لتسجيل الناخبين على القوائم لمدة إضافيه تحددها الأمم المتحدة ومحاسبة كل من يخرق العملية الانتخابية أو يعطّلها. 5ــ الاتفاق على العمل مع الأمم المتحدة من أجل التاكد من توفر الشروط التقنية والتشريعية والسياسية والأمنية المطلوبة لتنظيم الانتخابات، بما في ذلك اعتماد مجلس النواب القوانين الانتخابية المطلوبة وتنفيذها وفقاً للجدول الزمني المحدد. 6ــ تضطلع القوى الأمنية الليبية بضمان سلامة العملية الانتخابية. 7ــ الالتزام بدعم المساعي التي تبذلها الأمم المتحدة لبناء مؤسسات عسكرية وأمنية محترفة وحاضرة وخاضعة لمبدأ المحاسبة، فضلا عن تشجيع حوار القاهرة الجاري (لتوحيد المليشيات والمؤسسات الأمنية والعسكرية)، والعمل على نحو بنّاء من أجل توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية. 8ــ الاتفاق على المشاركة في مؤتمر سياسي شامل لمتابعة تنفيذ هذا الإعلان، برعاية الامم المتحدة.

ولم تستغرق المباحثات أكثر من أربع ساعات، بدأها ماكرون مع السراج وصالح والمشري وحفتر فقط قبل أن ينضم إليهم ممثلو المجتمع الدولي. ومن بين ممثلي الدول الحاضرين، مصر والإمارات وقطر والكويت والسعودية وتركيا، بالإضافة إلى تونس والجزائر. وقال دبلوماسي طلب عدم ذكر اسمه لوكالة "فرانس برس": "سارت الأمور على ما يرام. وما بعد ذلك، يعتمد على تنفيذ الاتفاق".

وشدد السراج على أنه "لا بد من قاعدة دستورية متينة لإجراء الانتخابات، وبالتالي قيام مجلس النواب بإعداد القوانين اللازمة ومنها قانون الانتخابات". ودعا إلى "وقف الاقتتال في كافة أنحاء البلاد"، وسمى درنة التي "يجب فتح ممرات إنسانية منها وإليها" على حد تعبيره، كما دعا "كل الأطراف الحاضرة الى العمل على إنجاح الاتفاق"، معرباً عن أمله في أن يكون الاجتماع المقبل "في ليبيا". ودعا إلى ضرورة اعتماد عقوبات مشددة ضد أولئك الذين يريدون عرقلة المسار الديمقراطي، دون أن يسميهم. ووصف ماكرون، الاجتماع بـ"التاريخي" لأنه "يندرج في هذه العملية طويلة الأجل، وهذه المرة الأولى التي يعقد فيها اجتماع بهذا الشكل". وتابع أن الأطراف "اتفقت على توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية" في ليبيا. من جانبه، قال غسان سلامة، إن "الجميع (ممثلي الوفود الليبية)، وافقوا على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 10 ديسمبر". وأضاف في المؤتمر نفسه: "لقد دعوت إلى وقف المعارك في جميع أنحاء ليبيا. كفى إراقة للدماء".


جميع حقوق النشر محفوظة 2017