20 سبتمبر: خطوة أولى

22 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم يكن المشهد في شوارع القاهرة والمحافظات المصرية، أول من أمس، عادياً. التظاهرات، على الرغم من قلة عديدها، والهتافات وإسقاط صور عبد الفتاح السيسي، كلها لقطات أعادتنا في الذاكرة إلى أيام ثورة يناير 2011، وما حملته من بهجةٍ إلى نفوس كثيرين من العرب الطامحين إلى المضي في مسار ديمقراطي. ولكن المشاهد نفسها يمكن أن تذكّرنا أيضاً بما انقلبت إليه البهجة بعد دخول الثورات المضادة على خط الرغبات الشعبية، وتحكّم الحكم العسكري بمفاصل البلاد والعباد، ممثلاً بشخص عبد الفتاح السيسي، فالأخير ليس ديكتاتوراً فرداً بقدر ما هو واجهة لمنظومة استبدادية متجذّرة في مؤسسات الدولة المصرية منذ أكثر من 60 عاماً. 
بالتأكيد لا يمكن تقليل ما مثلته تظاهرات "20 سبتمبر"، وخصوصاً باعتباره إنجازاً أولياً وكسراً لحاجز الخوف الذي فرضه السيسي والحكم العسكري منذ انقلاب "3 يوليو" في 2013. ولكن أيضاً لا بد من الحذر في رفع سقف الآمال المعقودة على الحراك الشعبي، خصوصاً أنه لا يزال يتلمّس طريقه، ويبحث عن أطر تنظّمه، سيما في ظل انعدام الحراك الحزبي في الداخل المصري، وعدم التعويل على أطر المعارضة في الخارج من المصريين في الداخل. فما حدث في 20 سبتمبر جاء بمثابة انفجارٍ للكبت المتراكم خلال السنوات الست الماضية، ومحرّكه المقاول المصري والممثل محمد علي، بفعل كشفه فساد السيسي ومنظومته العسكرية، وهو ما لم ينفه السيسي، بل أكّده وتحدّى المصريين بأن يحاسبوه، وهو ما زاد النقمة وأدّى إلى المشهد الاحتجاجي المصري.
الحراك الحالي في مصر خطوة في طريقٍ سيكون طويلاً، ويمكن تشبيهه، إلى حد ما، بتظاهرات المحلة الكبرى ضد نظام حسني مبارك في عام 2005، والتي كانت بداية كسر حاجز الخوف بالنسبة إلى المصريين في ذلك الوقت، إذ كانت المرة الأولى التي يتم فيه إسقاط صورة الرئيس، تماماً كما جرى في مدينة دمياط أمس، إذ تم الدوس على صورة عبد الفتاح السيسي. كانت تظاهرات المحلة، حينذاك، مؤسّسة لبدء حراك سياسي في البلاد، وخروج تجمّع حركة كفاية إلى العلن، وكانت أول منظومة مدنية تجاهر برغبتها في إسقاط النظام، وهو ما يجب أن ينتج عن حراك أول من أمس، فالأمر لا يمكن أن يقتصر على تجمعات عفوية تلبية لدعوة شخصية من المقاول والممثل محمد علي، والذي لا شك في أنه لعب دوراً كبيراً في تجييش الشارع، ولكن من غير الممكن التعويل عليه، خصوصاً أنه بدأ يستنفد ما لديه من معطيات حول الفساد، ودخل في تنظيراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ليس ملمّاً فيها.
لا بد أيضاً من الحذر من استغلال "الأجهزة السيادية" في الدولة المصرية للحراك الشعبي، وتوظيفه تمهيداً لانقلاب جديد، فمشهد الشرطة، في تظاهرات أول من أمس، وتعاملها اللين، إلى حد ما، مع مثل هذا النوع من التظاهرات، وهو أمر غير معتاد من مرتكبي مذبحة رابعة العدوية وغيرها، إضافة إلى بقاء الجيش خارج الصورة، يثير علامات استفهام، وهو ما يعزّزه لاحقاً إطلاق سراح غالبية من اعتقلوا خلال الاحتجاجات من دون عرضهم على النيابة، وهو الأمر غير المعتاد أيضاً من نظام كهذا يرمي آلاف المصريين في السجون بسبب كتابات على مواقع التواصل الاجتماعي، فالحديث عن تململ داخل أجهزة السيسي فيه كثير من الصحة، خصوصاً بعد فضائح الفساد أخيرا، ومن الممكن أن تكون هناك فكرة لإزاحة رأس النظام حالياً، وإحلال بديل عنه من داخل النظام نفسه، أو انقلاب داخل الانقلاب. لكنّ الثورة ونجاحها لا يكونان بإزالة شخص الرئيس مع بقاء المنظومة متحكّمة في البلاد، وهو ما فهمه السودانيون منذ بدء ثورتهم، ومضوا فيه أشواطاً إلى الأمام، فإطاحة السيسي لا يجب أن تكون هدفاً في حد ذاتها، بل بداية لتحطيم الهيكل الاستبدادي الرابض على صدور المصريين، وحتى العرب.