100 مليون جنيه لـ"ممرّ" مأزوم

07 يونيو 2019
الصورة
"الممر": استراحة محارب أو استراحة سينما؟ (فيسبوك)
+ الخط -
في سبعينيات القرن الـ20، تحديدًا في الفترة التالية لـ"حرب أكتوبر" (1973)، أنتجت الدولة المصرية عددًا من أفلام الـ"بروباغاندا" الحربية، التي تُقدِّم رؤية احتفالية باللحظة، بمستوى متواضع جدًا، دراميًا وتقنيًا، لم يبقَ منها، كـ"الرصاصة لا تزال في جيبي" (1974) لحسام الدين مصطفى و"بدور" (1974) لنادر جلال و"حتّى آخر العمر" (1074) لأشرف فهمي وغيرها، إلاّ موجاتٍ من سخرية الأجيال اللاحقة.

في المقابل، وبعد عقودٍ على تلك الحرب، عبَّر مخرجون وممثلون مصريون مرارًا عن أمنيّتهم في صناعة فيلم حربي بالمستوى الذي تصنعه السينما الأميركية، لأنّ التاريخ المصري الحديث مليء بالقصص والبطولات والحكايات التي تصلح لصناعة عالية الجودة. لكن العائق "الوحيد" هو الإنتاج والتمويل، فظلّت تلك الآمال معلّقة، إلى أنْ أخرج شريف عرفة "الممر" (2019)، بميزانية تقترب من 100 مليون جنيه مصري (نحو 5 ملايين و971 ألف دولار أميركي)، وبتسهيلات لا تحصى من الجيش والدولة المصرية، لتحقيق فيلمٍ يحتفل بالنصر. 

إنْ يكن هناك ما يُقال، بعد مُشاهدة "الممر"، فيكمن في أنّ أزمة صناعة فيلم حربي جيّد في مصر تتجاوز بكثير مسائل الإنتاج والتقنيات والمؤثّرات، وتتعلّق، كما في فيلم عرفة، بجوانب تاريخية وأيديولوجية، والأهمّ درامية.

أبرز مشكلة هي أن اللحظة المعاصرة، حتّى بعد مرور هذا الوقت كلّه على الحرب، لا تزال موصولة بالحدث التاريخي القديم. فالرئيس في مصر هو قائد جيش ينتمي إلى المؤسّسة العسكرية، التي تحكم بشرعية الحرب والنصر و"أكتوبر"، سواء بربطٍ مباشر مع الرئيس السابق حسني مبارك، صاحب الضربة الجوية الأولى، أو في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي يؤكّد على ذلك كلّ لحظة. ومع ربط التاريخ بالحاضِر، يرتبط الحدث بالرواية الرسمية للحاكِم/ الدولة، فتبقى هزيمة 1967 محض نكسة، تمّ خلالها الغدر بالجيش، ويُصبح الاستنزافُ مليئًا ببطولات تكاتف فيها الجميع، ويكون "أكتوبر" نصرًا مُبينًا بلا أخطاء أو شوائب. أيّ فيلمٍ يتناول تلك الفترة محكومٌ بتلك السردية، التي يعرفها المصريون جميعهم، إذْ إنهم يتجرّعونها منذ الطفولة، في المدارس وعبر الإعلام.



"الممر" مصنوعٌ في تلك النظرة الضيّقة إلى التاريخ. بالتالي، لا يملك زاويةً في سرده لا يشعر المُشاهد أنّها "كليشيه"، سمعها أو رآها سابقًا. اللافت للانتباه كامنٌ في كيفية تصوير مرحلة الهزيمة (1967)، باختصارها بجنودٍ يسيرون في الصحراء، ثم الانتقال سريعًا إلى لقطة البطل في منزله، قبل بدء وصلاتِ خطاباتٍ مُعلّبة عن أن تلك ليست النهاية، وأننا لم ننهزم، إلى آخر هذا الكلام. رؤيةٌ كتلك تُجرِّد الهزيمة من قسوتها، والبشر من خصوصياتهم، ويُنظر إلى الأمور بسطحيّة.

هذا يتجاوز ضغط الدولة، وضرورة الالتزام بسرديّتها عن الحدث. فـ"الممر" مُستسلم تمامًا إلى تلك الـ"كليشيهات"، إنْ في أنماط الشخصيات التي يُقدّمها، والتي يحرص فيها بسذاجة على تمثيل المجتمع بأشخاص من الصعيد أو النوبة أو البدو، والتأكيد على التفافهم على هدفٍ واحد؛ وإنْ في شخصيات العدو الإسرائيلي نفسه، التي لم تخرج عن الكاريكاتوريّة المعتادة منذ زمن. والأسوأ كامنٌ في الحوار. فشريف عرفة لم يكتفِ بكتابة الفيلم بمفرده، للمرة الأولى في مسيرته، وهي كتابة تفتقد بوضوح حِرفية بناء الأحداث وحِفظ الإيقاع وخلق شخصيات حيّة ونابضة، وهذا النقص كلّه يناقض أفلامه الجميلة، التي تعاون فيها مع كتّاب كوحيد حامد وماهر عواد وأحمد عبد الله في الكوميديا؛ ففي أفلامه الأخيرة، بات أقلّ عناية بالسرد، وأكثر اهتمامًا بشكل الصورة والتقنيات. بات يكتب لنفسه ما يعتقد أنّه مناسب لتنفيذ الـ"مُبْهِر".

ما يُزيد الأمر سوءًا، تعاونه مع شخصٍ آخر لكتابة الحوار، وهو أمير طعيمة (شاعر غنائي). القرار كارثيّ للفيلم، إذْ لم يُقدِّم شخصيات وأحداثًا ترميزية فقط، بل إنّ الكلمات مُنَغّمة، وغير واقعية، وممتلئة بخطاباتٍ رنّانة لا تليق بقسوة الحرب، وألم الهزيمة، والاحتمالات المستمرة للموت، فيُصبح كلّ شيء أشبه بمجازٍ ضعيف، وليس إعادة إحياء حدث حقيقي.

بعد هذا الضعف والكاريكاتورية، في الشخصيات والحوار وتتابع القصّة السينمائية، وهذا كلّه يؤثّر في أداء الممثلين، وهو يظهر هنا جامدًا ونمطيًا، فإن 100 مليون جنيه مصري لم تصنع فيلمًا حربيًا مصريًا جيّدًا أو مؤثّرًا، ولم تخلق رابطًا عاطفيًا حقيقيًا بالحدث التاريخي، كما في أفلامٍ أميركية. ومع الجهود كلّها في دقّة استخدام الأسلحة، بمساعدة الجيش المصري، والتسهيلات الممنوحة للتصوير في أماكِن حقيقية في سيناء، والمؤثّرات المقبولة للغاية؛ فإنّ كلّ شيء فارغٌ، فهو من دون دراما، ومن دون شخصياتٍ تتفاعل معها، أو رؤية سينمائية تتجاوز الرواية الرسمية المكرَّرة للدولة عمّا حدث، وكيف حدث.