يوم الأسير الفلسطيني... مقدسيون في سجون الاحتلال يجرَّدون من حقّ الإقامة

17 ابريل 2019
الصورة
"قسماً سنعود" (فايز أبو رميلة/ الأناضول)

في السابع عشر من إبريل/ نيسان من كلّ عام، يُحتفل بيوم الأسير الفلسطيني، للتضامن مع الأسرى الذين يقبعون في سجون الاحتلال. وهذا اليوم أقرّ في عام 1974، ويحييه الفلسطينيون في الوطن المحتل وفي الشتات
إسحق طاهر صلاح عرفة ومنير فريد منير الرجبي، لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي باعتقالهما في ظروف غير قانونية وغير إنسانية والحكم عليهما بقضاء سنوات طويلة - فلكية أحياناً - خلف القضبان، بل زاد أخيراً عذابهما وعقابهما بسحب بطاقة الهوية (الإقامة) منهما، الأمر الذي يجعل من عودتهما إلى القدس أمراً صعباً. وعرفة (31 عاماً) محكوم بالسجن مدى الحياة وهو معتقل منذ 18 أغسطس/ آب 2011، أمّا الرجبي (47 عاماً) فمحكوم بالسجن لمدّة عشرين عاماً وهو معتقل منذ 17 مارس/ آذار 2003. 

وأعاد قرار وزير الداخلية الإسرائيلي أرييه درعي قبل أيام، بسحب بطاقة الهوية (الإقامة) من الأسيرين عرفة والرجبي إلى أذهان المقدسيين قرارات سابقة لم تقتصر على الأسرى من أبناء مدينة القدس المعتقلين في سجون الاحتلال، بل طاولت كذلك نواباً مقدسيين ووزيراً واحداً، جميعهم من حركة "حماس"، بتهمة المقاومة والتي يطلق عليها الاحتلال مصطلح "الانتماء إلى منظمة إرهابية". واللافت أنّ قرار درعي الأخير تزامن مع "إضراب الكرامة 2"، قبيل إحياء الفلسطينيين يوم الأسير الفلسطيني في 17 إبريل/ نيسان، كما هي الحال في كل عام.

وسحب بطاقة الهوية (الإقامة) من الأسرى المقدسيين دون غيرهم من أبناء شعبهم الأسرى، يأتي كعقوبة مزدوجة عليهم وعلى أسرهم، عقوبة أشدّ إيلاماً من سنوات السجن الطويلة، إذ إنّهم يُبعَدون عن أماكن سكنهم ومسقط رأسهم في القدس، وهو ما يعانيه في هذه الأيام أفراد أسر النواب المشار إليهم آنفاً ووزير القدس الأسبق المهندس خالد أبو عرفة الذين أبعدوا إلى مدينة رام الله بالضفة الغربية والذين يلاحقهم الاحتلال بالاعتقال والاختطاف حتى في منفاهم الجديد.

يقول المصوّر الصحافي أمجد أبو عرفة لـ"العربي الجديد" تعليقاً على قرار تجريد شقيقه من حقه في الإقامة: "لا نملك أيّ تفاصيل حول فحوى القرار. ما نعلمه أنّ شقيقي تسلّم الأحد الماضي القرار، علماً بأنّ الأنباء حول هذا الأمر كانت تتداول منذ أسبوعَين تقريباً. وقبل القرار، تلقينا اتصالاً من المركز الإسرائيلي للدفاع عن الفرد (هموكيد) لسؤالنا عمّا إذا كنّا قد تلقينا معلومات بهذا الخصوص، فأكدنا لهم عدم استلامنا أيّ قرار. والأحد، وردنا تأكيد بأنّ القرار سُلّم مباشرة إلى شقيقي إسحق الذي ينفّذ حكماً بالسجن المؤبد إلى جانب 60 عاماً إضافياً". ويؤكد أبو عرفة أنّه صُدم وكذلك عائلته من جراء قرار الاحتلال الجائر ضدّ شقيقه، مشيراً إلى أنّه "في هذه المرحلة نجري مشاورات مع عدد من المحامين لدراسة الخطوات التي يمكن اللجوء إليها لإبطال قرار وزير داخلية الاحتلال".

الأسيران المقدسيان إسحق عرفة ومنير الرجبي (العربي الجديد) 


طرد وتطهير

من جهته، يصف رئيس لجنة أهالي أسرى القدس أمجد أبو عصب لـ"العربي الجديد" قرار الوزير الإسرائيلي بأنه "إمعان في سياسة الطرد والتطهير العرقي بحقّ المقدسيين". ويلفت أبو عصب إلى أنّ "الاحتلال سبق أن أصدر قرارات مشابهة في سحب الإقامات وبطاقات الهوية بحقّ عشرة مواطنين مقدسيين على أقلّ تقدير، في مقدّمتهم نواب القدس الأسير محمد أبو طير والأسير أحمد عطون والأسير المحرر محمد طوطح ووزير القدس السابق الأسير المحرر خالد أبو عرفة. وتبع ذلك قرار مماثل بحق مجموعة سلوان التي تضم الأسرى وائل قاسم ووسام عباسي ومحمد عودة وعلاء الدين عباسي. كذلك صدر في العام الماضي قرار مماثل بسحب إقامات باهر عبد دويات ومحمد صلاح أبو كف ووليد الأطرش".



وفي سياق متصل، يفيد أبو عصب بأنّ "عدد الأسرى المقدسيين في سجون الاحتلال يصل إلى 360 أسيراً وأسيرة، من بينهم 44 أسيراً من الذين حُكِم عليهم بالمؤبّد، كما أن ضعفَي هذا العدد تقريباً من الذين يمضون في السجن فترات تتراوح ما بين 15 عاماً و25 عاماً، إلى جانب أكثر من 30 طفلاً معتقلاً".

وكان وزير الداخلية الإسرائيلي أرييه درعي قد أصدر بتاريخ 29 يونيو/ حزيران 2006، قراراً يقضي بإلغاء إقامة النواب المقدسيين المبعدين أحمد عطون ومحمد أبو طير ومحمد طوطح ووزير القدس السابق خالد أبو عرفة، أتبعه بقرار آخر نهائي يجرّدهم من حقّ الإقامة.

الشرطة الإسرائيلية تلقي القبض على مقدسي متضامن مع أسرى فلسطينيين (أحمد غرابلي/ فرانس برس) 


وأتى ذلك بعد تعديل قانون الدخول إلى البلاد الذي ينظّم من خلاله وضع المقدسيين القانوني، وإضافة بند يتعلق بعدم الولاء لإسرائيل. وورد في قرار وزير الداخلية الإسرائيلي: "قرّرت سحب إقامة النواب والوزير السابق بناء على أعمالهم الماضية ومشاركتهم بالانتخابات وعضويتهم في المجلس التشريعي عن حركة حماس، وهم ما زالوا أعضاء في البرلمان والحكومة. وعرضت عليّ معلومات سرية من قبل جهاز الأمن تدلّ على أنّ وجودهم بالقدس يشكّل خطراً على أمن إسرائيل، لذلك لا يمكن السماح بوجودهم في القدس، وبناء على ذلك قرّرت سحب إقامة كل منهم".

وأتى ردّ النواب في حينه على قرار الوزير الإسرائيلي، برفضهم تنفيذ قرار الإبعاد عن القدس في عام 2010، واعتصموا في مقرّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القدس نحو عام ونصف العام. وقد اختطفت وحدة المستعربين عطون من مقرّ اللجنة واعتقلته، وبعدها اختطفت أبو عرفة وطوطح من المقرّ نفسه في عام 2012. يُذكر أنّ طوطح قضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي نحو أربعة أعوام، وأبو عرفة خمسة أعوام، وعطون 14 عاماً، وأبو طير 33 عاماً. ويقول محامون ترافعوا في قضية النواب الثلاثة، من بينهم المحامي فادي القواسمي، إنّ قرارات وزير الداخلية الإسرائيلي بشأن إبعاد المقدسيين، خصوصاً الأسرى في سجون الاحتلال، جاء بعد مصادقة الكنيست على قانون يمنح الوزير صلاحية سحب الإقامات من المقدسيين.

المستجدّ الأخطر

في السياق، يرى مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، على لسان مديره زياد الحموري، أن قرار درعي هو "نتيجة طبيعية لتشريع الإبعاد والتطهير العرقي بحق المقدسيين من خلال مشروع القانون الذي صادق عليه الكنيست والذي يتيح سحب الجنسية من مواطنين فلسطينيين من داخل الخط الأخضر متهمين بما يوصف بالتجسس، وإسقاط حق الإقامة عن مقدسيين متهمين بالقيام بأعمال مقاومة أو الانتماء إلى منظمات فلسطينية وصفها مقدمو مشروع القانون بأنها إرهابية".

اعتصام تضامني في القدس مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال (مصطفى خاروف/ الأناضول)


ويوضح الحموري لـ"العربي الجديد" أنّ "هذه الإجراءات تشكّل تطوراً نوعياً في سياسة التطهير العرقي الممارسة بحقّ المقدسيين والتي بدأت سلطات الاحتلال بتطبيقها بوتيرة عالية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي لتسجّل ارتفاعاً كبيراً في الأعوام الثلاثة الأخيرة بذريعة الإقامة خارج الحدود البلدية المصطنعة للقدس". ويشدّد الحموري على أنّ "قرارات الطرد الأخيرة لمقدسيين من القدس، تعدّ المستجدّ الأخطر والأبرز في توجهات السياسة الإسرائيلية الرسمية التي تسعى إلى تغيير الواقع الديموغرافي في القدس بصورة جذرية، تزامناً مع تكثيف الاستيطان اليهودي في قلب الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة وتوسيع المستوطنات اليهودية القائمة والقيام بعمليات نقل واسعة للإسرائيليين وتوطينهم في الأحياء الفلسطينية ليحلوا مكان سكانها الأصليين، وهو ما تؤكده في كل عام المعطيات الديموغرافية التي ينشرها مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، والتي تشير إلى أنّ مدينة القدس هي الأكبر في إسرائيل ويبلغ عدد سكانها حالياً 774 ألف نسمة، منهم 488 ألف يهودي يشكّلون ما نسبته 63 في المائة من مجموع سكان المدينة بشطرَيها الغربي والشرقي، ونحو 300 ألف مقدسي عربي يشكّلون ما نسبته 36 في المائة من مجمل سكان المدينة، بالإضافة إلى 10 آلاف شخص ذكر أنّهم غير مصنفين دينياً في سجلات وزارة الداخلية الإسرائيلية".



وتشير المعطيات الرسمية لمركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي حصل عليها من وزارة الداخلية الإسرائيلية، إلى قيام الأخيرة بإسقاط حقّ الإقامة عن 229 مواطناً مقدسياً خلال عام 2007، بينما سجّلت عام 2008 أكبر نسبة سحب بطاقات شخصية وإسقاط حقّ الإقامة عن أصحابها البالغ عددهم أربعة آلاف و672 مواطناً، فيما سُجّل في الأعوام الأخيرة ارتفاع في عدد المبعدين عن القدس إلى أكثر من 14 ألف مقدسي، بعدما أسقط الاحتلال عنهم حقوق الإقامة.
تعليق: