يوميات سيدة تكره الصيف

03 اغسطس 2020
الصورة

(فاتح المدرس)

حرٌّ شديد لا يناسب مزاجها الشتوي الذي يعتدل فقط في عز البرد والمطر، ويميل إلى البهجة عند الالتصاق بالمدفأة في ليالي الشتاء الجميلة، والتلفح بمعطف ثقيل عند الخروج، والاستمتاع بوقع ماسحات الزجاج على مقدّمة السيارة الغزير في أيام المربعانية. أغلقت نوافذ البيت بإحكام. حرٌّ لا يُطاق، بل يبعث على مزيد من الكآبة. ارتمت على الصوفا في مواجهة المروحة الكهربائية، وقد ضاقت أنفاسها أكثر بعد الاستماع إلى نشرة أحوال الطقس التي أكدت أن درجات الحرارة وصلت إلى حدٍّ غير مسبوق في العاصمة المحسوبة جغرافيا على حوض البحر المتوسط، حتى أن أهل المدينة ابتدعوا نكات عن طقسٍ خليجيٍّ لا ترافقة رفاهية معيشية، تساعد على تحمّل ذلك الهول المناخي غير الرحيم. استثمر المتدينون الحدث عبر صفحاتهم في "فيسبوك" للتذكير بنار جهنم! 
المروحة البائسة تراوح مكانها، توزّع الهواء الساخن الملتهب في أرجاء الغرفة. تستمع السيدة التي تكره الصيف إلى أصوات المحتجين تنطلق من فيديوهات مبعثرة على مواقع التواصل، تبث هتافهم ضد قرار الحكومة اعتقال مجلس نقابة المعلمين، وإغلاق نقابتهم عامين، تضامن شعبي كبير مع المعلم، على الرغم من قرار بمنع النشر الذي أسكت معظم وسائل الإعلام المحلي، لكنه لم ينجح في لجم الشارع الغاضب. تلقي السيدة التي تكره الصيف الهاتف النقال بعيدا. تشرب كميات كبيرة من الماء المثلج، وتلعن كل ذلك الجنون. تعود لتتجول في مواقع إخبارية محلية، خبر فظيع انتشر على نطاق واسع، إقدام مراهق يبلغ 14 عاما على طعن والدته 30 طعنة، بسكين في الرقبة ليُرديها قتيلة. أفاد مدير الطب الشرعي بأن المراهق قتل والدته وهي نائمة في فراشها. وأوضح أنه فحص المراهق (أو الحدث بلغة القانون)، وهو لا يعاني من أي أمراض عقلية أو إعاقات، وأن التحقيق جار. تساءلت بحنق عن مصدر كل ذلك الإجرام المرعب في نفس هذا الفتى الذي هانت عليه روح أمه، التي بلغت الأربعين عاما أخيرا.. هل كان تحت تأثير مخدّر ما؟ لعل الطب الشرعي لم يكن دقيقا في فحص القاتل الصغير، ربما كان مصابا بحالة شيزوفرونيا متقدّمة. وهل سيخرج أحد السفهاء مثل العادة، كي يقول "أبصر شو عملت". 
تمضي ساعات النهار ثقيلة بلا أحداث، غير أن رسالة جديدة من شركة الإنترنت تفيد بضرورة تسديد الفاتورة تحت طائلة القطع، تحملها على التوجه إلى المول الكبير على وجه السرعة. تسدّد الفاتورة وتتمشّى قليلا، مستمتعة ببرودة المكيفات المركزية التي جذبت عائلاتٍ كثيرة للاستمتاع بالبرودة المجانية. تناهى إلى سمعها صوت أم صغيرة تقرّع ولدها قائلة، وهي تقدّم له ساندويش فلافل شبه مهترئ: "اتفقنا أنه ممنوع الشراء من هنا، لأن كل شي غالي، بشتريلك شاورما لما نروح". وكان على الصغير ابتلاع ريقه، وتجاهل رائحة البطاطا المقلية، وشكل الهامبرغر الشهي، والبوظة المثلجة بألوانها المتعدّدة، والاكتفاء بالفلافل البارد، غصبا مع شربة ماء من زجاجة كبيرة تتقاسمها العائلة، الموعودة بوجبة شاورما ساخنة يبيعها المطعم ضمن عرض الوجبة بدينار! 
في المساء، تناقلت وسائل الإعلام خبر تسمم جماعي فاق عدد ضحاياه ال500، وأدى إلى وفاة طفل في الخامسة من عمره، إثر تناولهم وجبة شاورما، استُخدمت في إعدادها مواد تالفة. وأفادت الجهات المختصة بأن التحقيق ما زال جاريا. وكان على السيدة التي تكره الصيف النوم في تلك الليلة القائظة، من دون أن تطاردها نظرات الحرمان من عيني الصغير الذي كان موعودا بشاورما ساخنة، في طريق العودة من المول الكبير، جيد التكييف، حيث البرودة مجانية.