يوميات الوباء: خارج العيش في حدود الشاشات

28 مايو 2020
الصورة
من لوحة لـ خليل قويعة

تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في يومياتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية.


ربّما أحتاج إلى عشرين سنة من "الحظر المكتبي" و"الحظر الفنّي" و"الحظر الأدبي" لملازمة مكتبي وكتبي وورشتي ولوحاتي وإعادة النّظر في قصائدي القديمة التي كتبتها ونشرت بعضها في الثمانينيات ومقالاتي حول مواقف نقديّة من تجارب إبداعيّة عربيّة ومواضيع شرعت فيها سنوات التّسعينيات مثل جماليّات التّلقي المطبّقة على الفنون البصريّة... ومشاريع في فنّ النّحت والاهتمام باللّغات وترجمة المصطلح الفنّي والنّقدي إلى العربيّة.

والفرصة مواتية أيضاً لممارسة هواياتي المهجورة بعض الشّيء، أو المؤجّلة، وخاصّة مشاهدة أفلام لم يتسنّ لي مشاهدتها مثل "Forrest Gump" لروبارت زاماكيس و"The English Patient" لأنطوني مينغالا وأفلام قديمة أخرى شاهدتها سابقا مثل "المومياء" لشادي عبد السلام. ها إنني أذكر أنّي شاركت في كتابة نصوص بعض الأفلام الوثائقيّة واشتغلت في السّمعي-البصري بالتّلفزيون أواخر التسعينيات في إنتاج وثائقيّات حول تاريخ الفنّ، كما قمت بتدريس جماليّة الصّورة السّينمائيّة لطلبة الاختصاص...

ومهما يكن من أمر، فقد كُتب علينا العمل، لا محالة، في الحظر الصّحّي كما في سير الحياة التي ننعتها بالعاديّة، ولا وجود لحياة عاديّة في الواقع. ولقد احتكم جلّ نشاطنا الفكري والفنّي في العقود الأخيرة إلى اللّقاءات والملتقيات والنّدوات والمعارض والورشات، ضمن محاولة لتجسيد مقولات "المشاركة المواطنيّة"، "الفضاء العمومي" وغير ذلك من المفاهيم التي جعلت من الفعل الإبداعي لحظة انخراط ضروريّة في أتون الحياة الجماعيّة وتفاعل ومواجهة، بما يقتضي العيش جنباً إلى جنب مع الآخر، الفنّانين، الجمهور، الحضور... أمّا في الحجر الصّحّي هذا، فترانا منسحبين إلى فضاءاتنا الخاصّة. ومن شأن ذلك أن يوفّر لنا لحظة تأمّل ومراجعة واستدراك... فهل يمكن للفضاء الافتراضي أن يقوم مقام الفضاء الحي، الأداء الحي، النّبض التّواصلي الجماعي، إيقاع الجماعة؟


ميديا
أتعامل مع شبكة التّواصل الاجتماعي لطرح أسئلة، استنكارية بالأساس، وأفكار أضمّنها مواقف شخصيّة حول مجريات الأحداث في العالم، لتكون امتداداً لبرامجي الإذاعيّة الثقافيّة وخاصّة "ديوان الأسئلة" الذي أُعدّه لإذاعة تونس الثقافيّة صحبة المولدي عزديني. بعض التّساؤلات والمواقف والخواطر هي بمثابة يوميّات. لكنّني أتعامل باحتراز من فيسبوك وهو الذي فشل في تطوير معرفة ذات مصداقيّة يُعتدّ بها، وأعرف أنّ ليس من أهدافه تحقيق "مجتمع المعرفة". ولكنّه بالمقابل، نجح في تحقيق مجتمع الإثارة والإشاعة والتّعبئة الأيديولوجيّة وحتّى المؤامرة...

وفي رأيي، يجب التّعامل بقفّازات واقية مع هذا الدّفق اللّحظوي المستمر لمواد الشبكة وضرورة التّسلّح بالحسّ النّقدي وترك المسافة. فالتّماسف ضروري في الواقع وكذلك في التّواصل الافتراضي. وتقتضي المرحلة، أكثر من أي وقت مضى، التّواصل أكثر فأكثر مع الأشخاص النّاقلين للمعلومة.

فأن أكون حرّاً اليوم، هو أن يكون لي نصيب في المعلومة بقدر الإمكان. إذ إن الإحاطة المعرفيّة تمكّنني من فهم الظواهر والتّموقع الفكري في العالم ومقاومة الخوف النّاتج عن غياب المعلومة أي عن الجهل. وكم نحن في حاجة إلى ربط الميديا ومضامينها الإعلاميّة بالمعرفة. ففي حين يقول الخبراء، على سبيل المثال: "الخوف المفرط يُنقص من المناعة ويعرّض للإصابة"، فإنّ الإحاطة "المعرفيّة" بالموضوع تمكّن من الاحتياط ومن تبديد الخوف. فلا للتّهويل ولا للتّهوين أيضاً، نعم من أجل تطابق العقل مع الواقع قدر الإمكان.


المدينة
حجر صحّي، ذاتي أو مفروض، نعم. ولكنّ الإنسان مدنيّ بالطّبع. فهل تكفي الحواسيب ليعيش الإنسان وفق كيانه الاجتماعي ويحقّق ذاته المدنيّة؟ أيُّ بديل لجماليّة المكان والاجتماع؟ كيف اقتضت المرحلة ضرورة التّكيّف مع نمط جديد من العيش... هل يقتضي الأمر إنتاج مفهوم لـ "المدينة"، خارج منظوماتها العلائقيّة التي تأسست عليها؟

هل يستقيم اليوم وجود دولة دون علاقات دوليّة حيّة؟ بعض الدّول قامت على فُتات دول كبرى، تقتات منها وتعيش وتتفيّأ ظلالها؟ وها هو الوباء يضرب بقوّة لفرض الحدود على نحوٍ بيّن، حيث لا مجال للتّفضية والتّواصل والتّزاور والتّضايف والتّبادل والتّعالق الاجتماعي والاقتصادي والسّياحي والاستراتيجي... وبات جليّاً أن الدّول الأكثر قدرة على مجابهة الأزمة الجديدة والتّأقلم مع حدّة الخارطة وصَلفها، هي الأقدر على تحقيق اكتفائها الذّاتي والانكماش بين تضاعيفها الخاصّة والحميمة والانطواء داخل ماهيّتها القوميّة والقُطريّة. فيما أصبح نموذج "العالم قرية" مسألة إلكترونيّة سيبرنيطيقيّة في برامج تسويق "عالم الصّورة والصّوت"، أي في حدود الحواسيب والشّاشات.

أم هل يُفترض، في ظلّ هذا الوضع، أن يعيد المهندسون والمصمّمون تدبّر أشكال جديدة للطائرات والبواخر... وغير ذلك من الكيانات التّكنولوجيّة العابرة للحدود؟ أكثر من ذلك كلّه، هل يقتضي الأمر إنتاج هندسة جديدة للعلاقات بين البشر والدّول؟ كيف يتحوّل "المكان" الحسّي الحيّ إلى "فضاء" هندسي متصوَّر ومبتكر؟ ومن جديد، ماذا عن الشعوب التي عوّدتها العولمة ألاّ تتذوّق خبزها الفاخر ولا تأكل إلاّ من وراء البحار؟

هل نحن بإزاء معادلات جديدة لمنطق القوّة؟ كثيراً ما نظرنا إلى قوّة الأنظمة في تقابلها مع المعرفة الإنسانيّة والجماليّة التي سعت العولمة، منذ عقدين من الزّمن على الأقل، في تدمير مقوّماتها لدى المجتمعات لغاية تحويلها إلى آلات استهلاكيّة نهمة، وهو ما يذكّرنا بالنّقد الذي وجّهته مدرسة فرانكفورت النّقديّة أواسط القرن العشرين للمجتمع الاستهلاكي زمن ظهور الرّأسماليّة.


القوّة
مقياس القوّة اليوم ليس المال ولا العتاد، بل مدى "الوعي" بخطورة الوضع وضرورة الحظر. المشكلة أنّ هذا الوعي غير متاح للعموم وغير قابل للتّعميم، بين عشيّة وضحاها، إذ هو نتاج تراكم معرفي ووعي بـ"المواطنة" بما هي اليوم قدرة على "المُرابَطة" ذاتيّاً في البيت!

المجتمعات "الضّعيفة" هي المستهترة، ومن ثمّة، فهي الضّحيّة. وهو مأتى كلّ الخوف. ذلك ما أدّى إلى بكاء رؤساء الدّول ووزرائهم. من جهة أخرى، هناك 100 ألف في ربوعنا ينقطعون مبكّراً عن التّمدرس سنويّاً. فعن أيّ وعي نتحدّث؟ وإن كان الحظر الصّحي حلاً إجرائيّاً آنيّاً ضدّ كورونا فإنه ليس ثمّة حلول آنيّة ضدّ غياب الوعي، في الوقت الرّاهن. تقول لي: قوّة العسكر، أقول لك: لا يوجد عون قوّة (عنصر أمن) لكلّ مواطن يراقبه ليلاً ونهاراً، حتى تكون الدّولة القويّة هي الدّولة القويّة.

بالعكس، اللّجوء إلى حالة الوعي بقوّة القوّة إنّما هو تأكيد على حالة الضّعف في الوعي وسوء فهم له. تقول لي: الإعلام، أقول لك أن الإعلام السّمعي – البصري، مثلاً، حتى يتحمّل هذه المهمّة بنجاح، ولو نسبيّاً، يجب أوّلاً أن يكون على وعي بمهمّته حتى يتخلّى عن الأكاذيب والإثارة ويحوّل نجومه، وهي قوى استقطاب، من أدوات للتّهريج إلى مثال جيّد في الوعي بالمواطنة وقدوة للنّاس. وهذا نفسه يتطلّب وعياً...


نموذج إنساني
كنّا نقول إنّ الأمم التي استثمرت في البحث العلمي والتّكنولوجيا والذّكاء والتّجديد على أرضها، هي الأقدر على الصّمود والمواجهة ضدّ الجائحة. لكنّ ذلك لا يفي بالحاجة كليّاً، طالما لم تتحوّل المعرفة إلى بنية وعي متاحة لدى الكلّ الاجتماعي. فمن الدّروس التي أفادتنا بها الجائحة أنّ الوعي لا يُجدي نفعاً كبيراً طالما انحصر في فئة بعينها. فالوعي شامل أو لا يكون. يكفي وجود فرد واحد مستهتر حتّى ينقل العدوى إلى كافة أهالي المدينة على نحو شبكيّ.

هكذا يكون الدّرس، وهو أن تكون بنية الوعي جماعيّة، ويفترض أن تلعب الميديا وكذلك الفنّ دوراً في هذا التّعميم على أساس مفهوم ملائم للمواطنة. وأن يشمل الوعي المواطني كافة النّاس، ليكون جميعهم على قدم المساواة في الإفادة من فكر خلاق للقيم، متمكّن من المعلومة، فذلك ما لم تتهيّأ له البشريّة بعد، بسبب طغيان التّفاوت المفرط في الاستعدادات والتّمثل وآليّات الإدراك... بل التّفاوت حتّى في تمثل قيم المواطَنة أصلاً.

ومن خلال القول ببنية الوعي الشّاملة هذه أتفاعل مع ما نسمع به اليوم من طروحات لاستعادة النّموذج الإنساني الكوني، على شاكلة ما طرحه نعوم تشومسكي مؤخّراً، حيث نادى بالتّضامن الإنساني، مثلما نادى إدغار موران الآن ومنذ زمن بالمصالحة مع الطّبيعتين، طبيعة الاجتماع البشري ومنتجاته وطبيعة كوكب الأرض الإيكوسيستاميّة، في مواجهة النيو ليبيراليّة بما هي النّموذج الأكثر عرضة للاتّهام اليوم، وهي التي بدّدت مكاسب الطبيعيّة واختزلتها في كونها مصدراً للثروة، على حساب التّنمية المستدامة.

أقول قولي هذا، وأنا على يقين من أنّ مفهوم الوعي نفسه غير قابل للمحاصرة المفاهيميّة. إذ الوعي نفسه مفهوم هلامي غير قابل للتّحديد. فكيف تتحدّد على أساسه سياسة دولة بأكملها في خوض الحرب؟ سلاح غير متعيّن ضدّ عدوّ مجهول. وفي كتابه "قراءات ميتافيزيقيّة"، كان البريطاني وليام هاميلتون في القرن التّاسع عشر قد أكّد أن الوعي هو معطى أساسي من معطيات الفكر ولكنّه نفى إمكانيّة تحديده والإحاطة به "Consciousness cannot be defined".

بقي أنّه لا مندوحة عن أخذ الوعي من حيث هو "بنية شاملة" ونقطة استناد ضروريّة في البرامج والسّياسات ومن حيث هو مقياس، على أساسه يتحدّد السّلوك الاجتماعي بما فيه السّلوك السّياسي، على نحوٍ ما. دون ذلك تعمّ الفوضى وينتشر العنف في غياب فكر يصنع نماذج الفعل والخطاب ويجمع البشريّة على المشترك ومقوّمات العيش معا، داخل المدينة والفضاء الإقليمي والدّولي. لا مفرّ من ذلك. كلّ من موقعه يحافظ على خصوصيّاته وأسس اختلافه في كنف التّنوّع، ولكن ثمّة ما يجمع البشر على الكوكب من خلال فكر جامع.

وهناك نماذج مهمّة في تاريخ الفكر البشري ضمن هذا السّياق مثل الذي قدّمه الخطيب الرّوماني القديم شيشرون في تصوّره لهارمونيّة العالم وتناغم الأدوار داخل الدّولة أو مثل نماذج أخرى، من طبيعة طوباويّة، نعم، ولكنّها قادرة على أن تكون جامعة على أساس الوعي الخلاّق بدور البشريّة على الأرض، أو بدور جميع الرّبّان على سفينة كونيّة واحدة في بحر يتيح التّحرّك التواصلي بين المجموعات.


التراث
اليوم، نلاحظ عودة إلى السرياليّة، من جهة، وإلى الخيال العلمي، من جهة أخرى (وأحياناً إلى خرافات الأوّلين). وبين هذا وذاك، يتأكّد لنا أنّ العقل البشري قد تورّط في منتجاته ذات عصر رأسماليّ اختلّت فيه منظومة القيم... وليس هذا الوباء الفيروسي سوى كشف أوّليّ عن قصور العقل ما بعد الحداثي وضعفه في استيعاب محتواه الإنساني. أصبح على الشعوب اليوم أن تعيد الاعتبار إلى تراثها وتستلهم منه قيم الحبّ والإيثار والعيش المشترك، بعيداً عن الفردانيّة وغلوّها. ومن ذلك ما أسماه الماوردي في "أدب الدّنيا والدّين" في تراثنا، بـ "الألفة الجامعة".

كما يفترض الأمر أن نعيد تصوّر علاقاتنا مع المنظومات الطّبيعيّة بما هي ذات قيم خلاّقة، أفادت الفنّ والأدب، وليس فقط من حيث هي أدوات إنتاجيّة على ذمّة الصّناعة. وفي مجال التّراث اللاّمادّي، حريّ بنا إعادة اعتبار التّراث الغذائي لدى الشعوب والمصالحة مع طبيعة الجسم واحتياجاته من الطبيعة، بعيداً عن الإفراط في التّصنيع والتّهجين والهدرجة. مصالحة مع الطبيعة ومع منظوماتها الحيويّة.


شرق وغرب
ولقد لاحظنا تعمّق البون في مواقف المحلّلين ما بين معسكرين تقليديّين في الظاهر ولكن بحلّة جديدة. وذلك في غياب وجود مقاربة مكتملة وواضحة وحاسمة لمسبّبات الوباء العالمي. حينما ينقسم العالم إلى نصفين على الأقل، البعض يقول بالابتكار المخبري (in vitro) وأنّها مؤامرة عولميّة جديدة بقيادة لوبيّات الليبراليّة المفرطة والبعض الآخر يقول بخلل جيني طبيعي من تلقاء الطّبيعة (ipso facto) يحدث مع تنامي الأخطاء الإنسانيّة ضدّ الطّبيعة نفسها وضدّ نفسه، فلنا، في كلتا الحالتين، أن نشهد على هشاشة العقل الإنساني في تقديره لوظيفة القوّة والسّلطة، أوّلاً، وفي تقديره لمنطق الحياة على الأرض، ثانياً.

ربّما تكون السرياليّة وكذلك الخيال العلمي، اليوم، من أجمل ابتكارات العقل البشري، ولكنّ الاقتصار عليهما فقط في تفسير العالم ليس سوى زيغ بقوى الإدراك عن مهامّها الأصليّة، بل وانزياحاً لقوى العقل نفسه في أشدّ حاجة الإنسان إليها لمواجهة ضعفه الأصيل واغترابه المتنامي.


الفنّ
على الفنّانين والأدباء اليوم، أن يقدّموا المثل الجيّد في التأقلم مع رهانات المرحلة الجديدة وفق منطق الحياة وقيمها المشرقة وأن يكونوا سنداً للنّاس في مقاومة الرّهاب والنّكد، على عكس الابتزاز التي نلحظه في بعض الإنتاجات الدّراميّة العربيّة، حيث التّعامل التّجاري مع أزمة المجتمعات ونقاط ضعفها ومخاطبة بقايا التّخلّف في مقاربات ساذجة تفتقر إلى طرح فكري ورؤية جماليّة مقاومة...

شخصيّاً، كثيراً ما أسائل أعمالي الجديدة: أمَا آن لهذه اللّوحة أن تكون انكشافاً متدرّجاً لأنطولوجية الذات ما بين الخطوط واللّمسات وترحالاً داخل المناطق المهجورة في قاع الرّؤية، بل وفتحاً من فتوح عالم آخر تصنعه هذه الذات في نفس الوقت الذي تسترجع فيه ذاتيّتها الإنسانيّة المسلوبة فتقدّمُها على نحو آخر؟ إنّ الذات تنكشف وتنمو بين ما ترسم، كما تسكن داخل ما تبني.

أجل، أن أكون فنّاناً في هذا الزّمان هو أن أعيد طرح سؤال ماهيّة الفنّ من جديد وأن أعيد صياغته باتجاه إعادة ترتيب موقع الذات في فضاء العالم...

ليس الفنّ رسماً لأشكال الحياة بل هو بعث للحياة في الأشكال، بعد أن جمّدتها الحضارة وسطّحها الاستهلاك وحنّطتها الذاكرة... والنظر مستمرّ.


* باحث وفنان تشكيلي تونسي

دلالات

تعليق: