يوميات الوباء: باريس.. الحياة تحت الضوء الساطع والقاتل للفيروس

25 مايو 2020
الصورة
من "حديقة تويلري" في باريس (Getty)

تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في يومياتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية.


منذ البداية، وأنا ملتجئة إلى الشقة التي أسكن فيها منذ زمن. كنت أعرف بأنني لن أقضي هذه الفترة خاضعة لمبدأ التباعد. أريد على العكس أن أغطس، أن أعيش هذا الزمن الاستثنائي بشكل ممتلئ، في الوقت الذي ينهار فيه العالم الذي كان يمشي مقلوباً. كنت أعرف أن السقوط لن يقف هنا. أركان كاملة من حياتنا سوف تنهار، ناطحات سحاب، معابد الاستهلاك، المصانع العملاقة. ثروات سوف تنهار، وأخرى سوف تُبنى؟
والموتى، كم سيكون عددهم؟

بينما أجلس على طاولة العمل، وأهيئ نفسي للكتابة في هذا اليوم الجميل (من نيسان)، ها إن أسئلة تسكن مختلف التنظيرات والحسابات بكل أنواعها، ومن بينها ما لا يثير اهتمامي، ولكنها تتجسّم سريعاً في الواقع. أسئلة تختبئ خلف أخرى، وصولاً إلى أكثرها واقعية: هل سأخرج من لعبة الحظ هذه بالرقم الصحيح؟

هذا السؤال كنت قد فكّرت فيه، طبعاً. دُعيت مؤخراً للمشاركة في قناة للشعر/ التفكير، فاقترحت المقطع رقم 33 من "كتاب الطاو" لـ لاو تسو والذي ينتهي بالعبارة التالية: "من يموت دون أن يكفّ عن الوجود حاز الخلود".

لكن لم يحدث أن فكّرت في الرحيل بهذه الطريقة، وحيدة، صريعة فيروس مجهريّ في بضعة أيام. كما لم أتصوّر عالماً شبه متوقف بين ليلة وضحاها، وهو الذي يداوم على الركض المتواصل نحو المزيد. لا بضائع، لا أكياس محمّلة، لا يخوت، ولا مواد ترف، ولا تسلّح حتى، وقبل كل شيء لن يكون هناك مكسب ذاتي دون البقية.

الطائرات مسمّرة في الأرض، السيارات مركونة في المواقف، الشوارع والمدن خالية، مناطق سكنية وكأنها مغلقة، المغامرون ومطلقو شركات وجدوا أنفسهم جميعاً في بيوتهم. كل هذا لم يكن ضمن سيناريوهات النمو الذي كان يوهمنا بأنه في مصلحة الجميع، الآدميين وغيرهم.

باتت نجاتنا مرهونة بتفاني أصحاب الملابس البيضاء ومساعديهم، وبالنسبة لأشياء الحياة اليومية، فالأمر موكول إلى جهود المشاة. الفقراء، السترات الصفراء، الأميون، العاجزون عن قطع الشارع للحصول على عمل - كما يحب البعض أن يصفهم-، هذا الرئيس الذي يريد أن ينجح في مهمته، بحسب أقواله، من أعلى جبل الأولمب، على طريقة جوبيتر.

أصبح العالم غير قابل للعيش. ها إن أكثر من خمسة أسابيع مضت، وأنا منكفئة مثل بقية الناس بين أربعة جدران دخلتها في البداية بشعور كبير بالغضب. غضب ضد كل المفترسين الوقحين ممن تجاهلوا التحذيرات بلامبالاة، وأوصلونا إلى هذه النقطة. رغم الوعود اليومية، نحن الأغلبية الساحقة لا تتوفّر لدينا أية وسيلة من وسائل الوقاية - لا كمامات، ولا سوائل مطهرة، ولا أجهزة اختبار - الموارد هزيلة والمستشفيات باتت تعتمد نظام "الطب الحربي". نعم الطب الحربي زمن السلم، هنا أيضاً، في هذا البلد المحظوظ. وأعلم جيداً أنه في نفس الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات، فإن الوضع أكثر تعقيداً في أماكن أخرى، عشرة آلاف مرة أكثر تعقيد وسوءاً ربما.

أصبح العالم بالنسبة لنا غير قابل للعيش، غير أن السخط يُضعف الروح، وعليّ أن أقوّي روحي في هذه الأوقات الاستثنائية بالالتفات إلى الجميل والخيّر الذي هو بالقرب مني؛ لمعان ابتسامة طفل يركض خلف حمامة في الساحة محرّكاً يديه كطائر، تمايل الزيزفون الأخضر عبر النوافذ، الزهور التي أشاهدها بشكل خاطف من وراء أسيجة الحديقة، التعاون بين الجيران، الكلام، الضحك المطمئن، قصيدة أو هايكو.

الهبوط إلى الداخل (بما أن الخروج مختصر في ساعة يومية)، غياب الحرية الجسدية، استحالة المشي تحت الشمس، وكل ما شابه ذلك أصبح بلا شك عسيراً على التحمّل. لكنني بلا شك محظوظة، بما أنني معتادة على النفي منذ الطفولة، وأن لديّ بفضل سفري إلى بلاد بعيدة تجارب مع تمدّد الوقت في فضاء ضيّق. كيف تمر الأيام؟ إنها أكثر من عادية، أطبّق مبدأ: "إلى الجحيم، أيتها الإنتاجية" وأضع جانباً كل واجب غير أساسي. ومثل من تتعاطى المخدرات، أمتصّ الأخبار والتعليقات والمقالات. أخرج نادراً لأن مشهد الأجساد التي تتحاشى بعضها البعض وكأنها مصابة بالطاعون (وهذا ممكن ما دام هذا الفيروس معدياً) يشعرني بالكآبة.

في الثامنة مساء، في الشُرفة الطويلة والضيقة مثل بقية شرفات باريس، أُصفّق لأصحاب القمصان البيضاء وأيضاً لمن يساعدونهم وتساعدنهم (فلا يخفى أن معظم الإطار الطبي من النساء)، إضافة إلى كثير من غير المرئيين.

ما عدا ذلك، أحاول الكتابة والقراءة. في هذه اللحظة لدي ميولات نحو الشعراء الصينيين الذين عاشوا في عصور بعيدة. أحب تلك الطريقة المرهفة للحضور في العالم، أحبّ زهدهم، بساطتهم وأيضاً فنّهم في المتعة والذي نسميه بشكل غير دقيق بـ "الأشياء الصغيرة". أعطي بعض الأمثلة بشكل اعتباطيّ؛ صوت ناقوس ما وراء الغيوم البيضاء، الطريق الطويل، عطر الربيع، زهرة عبّاد الشمس منحنية تحت الندى. كذلك أعيد قراءة فديريكو غارثيا لوركا الذي أراد أن يستثمر الفرح مثل الألم ويقاوم إكراهات الهيمنة والاستغلال، ونجح بشكل رائع في أن يخبر الجميع بذلك، والثمن كان حياته.

محنة العالم كبيرة. سأشير إلى المسؤولين الأساسيين عن ذلك: تلك الحفنة من المالكين والقيادات ممن يصرّون - من أجل سلطاتهم ومصالحهم الشخصية - على إنكار تداخل العلاقات ضمن سلسلة الحياة وحق كل فرد أكان من الشمال أو من الجنوب في العيش تحت ضوء الشمس. وها إن كتبتهم يُدبّجون لغة جديدة من أجل تهدئة غضبنا.

محنة العالم كبيرة. وفي ما عدا السن، فإن الفيروس لا يميّز، إنه يتصرّف مثل كاشف، يضع ضوءه الأعمى والقاتل على البلدان/ المناطق/ المدن/ الفئات السكانية ذات الدرجة الأعلى من الهشاشة. في هذا الوقت لا يصلني الكثير مما يدور في معسكرات الاعتقال، حيث يتكدّس في ظروف غير آدمية من نجوا من الحروب وعبور البحر والصحارى والغابات، من برمانيا أو من الشرق الأدنى أو الأوسط. لا تصلني أيضاً أخبار أميركا الجنوبية، وأفريقيا، وبلاد كثيرة في آسيا ومنها الهند. لكننا نعلم أنه ومع تركيزنا في صراعنا الصحي لضمان حياتنا فإن عمليات الاغتصاب والقمع تتنشّط في فلسطين وغزة. وهذا أيضاً ما هو متوقع في سنجان الصينية وفي أماكن أخرى، وفي الضفة الأخرى من الأطلسي، في بلد يعتبر الأغنى في العالم وفيه ملايين يعانون من البرد والجوع والخوف. وهنا أيضاً.

وكأنه يخرج من مقبرة جماعية، يريحني صوت لوركا:

أريد أن أنام مثل التفاحات
أن أبتعد عن صخب المقابر
أريد أن أنام مثل طفلٍ
أرادَ أن يقطّع قلبه
في أعالي البحار
...
أريد أن أنام للحظة،
لحظةٍ، دقيقة أو قرن،
لكن على الجميع أن يعرف بأنني لست ميتاً
هناك على شفتي إسطبل ذهبي
أنا الصديق الصغير للرياح الغربية
أنا الظل الكبير لدموعي
...
(لوركا، غزل 8، مجلة أوروبا، العدد 1032، نيسان 2015)

الهواء نقيّ، في سماء باريس، برج إيفل يظهر في الأفق. هذه السنة، تهدينا الطبيعة ربيعاً جميلاً كما لم نعرف مثيله منذ زمن. تنفتح الأزهار بكثرة. صباحاً ومساء، كما في كل الأيام لكل الفصول، تقدّم الطيور تحيتها المعهودة للشمس. منذ أن تركنا المكان، أصواتها باتت تُسمع بشكل واضح. بين أصوات المنبهات، تذكرنا بشكل درامي كم يسكننا النسيان والدمار.
أقوّي روحي وأنظر إلى تلألؤ إسطبل ذهبي، خلف ستارة دموعه وفوق شفتي لوركا.


* شاعرة فلسطينية تكتب بالفرنسية. وُلدت في حيفا قبل احتلالها واضطرّت أسرتها إلى اللجوء للبنان. انتقلت إلى كندا لدراسة العلوم الاقتصادية، ثمّ درّستها هناك حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تستقر في فرنسا. في 2013، أصدرت باكورتها الشعرية بعنوان "أنا من شريط الرمال هذا". لاحقاً صدر لها: "الأمل كحماية وحيدة" (2015)، و"اسمك من فلسطين" (2017)، و"الفوضى، عبور" (2019).

** ترجمة عن الفرنسية: شوقي بن حسن، خاص بـ "العربي الجديد"

دلالات