يوميات القراءة: عقيل أبو الشعر.. القدس عام 1920

17 يونيو 2020
الصورة
(عقيل أبو الشعر)

تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في قراءاتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية.


صحيحٌ أنني أحسستُ بحالةٍ من فقدان التوازن مع أول أيام هذا الحجر الذي طال العالم كلّه،. كان الأمر أشبه بمشهد روائي في أحلام كاتبٍ مأزوم. تسمّرتُ قرب الشاشات المرئية، وبدأتُ أحاول استيعاب ما يمرّ من مشاهد سوريالية.

كان الشتاء ما زال في عنفوانه في عمّان، وكانت بدايات الربيع تلون أشجار الحديقة، تفتّحت الأشجار بجنون واكتست بمئات الأزهار المعطرة، لكن الأشياء لم تقنعني بأنها عادية. كنتُ أقفُ على النافذة الواسعة التي تطلّ على الشارع الفارغ الصامت، لم أصدق أن القطط اختفت.. كلّ القطط التي كنت أراها تسيرُ بلا خوفٍ وتقطع الشارع بحركةٍ مطمئنة، اختفت، لم تفهم أين ذهب الناس كلّهم فجأةً وبلا مقدّمات، وقامت جوقة عصافير بالتجمهر فوق الأشجار المزهرة، ورفعت أوركسترا جماعية لا تتوقف، تعزفُ بحرّية مدهشة وبلا مايسترو. كانت تبالغ في الطيران الحُرّ في المساحات الصامتة، وكأنها تتحدّانا.

كنتُ أحاول أن أستوعبَ ما يحدث ببصيرة دارسة للتاريخ، أستعيد ذاكرتي المزدحمة بما خزّنته عبر السنوات عن أحداث للأوبئة التي اجتاحت العالم من قبل، وتيقنتُ انني سأتحول لكتابة الرواية بدلاً عن القصة القصيرة... هذا طقسٌ روائي بامتياز؛ طقس يحضر فيه الروائي الأردني الغائب – الحاضر عقيل أبو الشعر (1890- مجهول مكان وتاريخ الوفاة).

كانت تمطر وزخات البرد تضربُ النوافذ وتكرج في الشارع النظيف، عندما أحسستُ بأن هذا هو زمن قراءة الروايات، لأهربَ من عالمي الأكاديمي الذي يحاصرني بلا توقّف. حملت رواية "القدس حرّة" لعقيل، والمطر لا يتوقّف في عمّان.


■ ■ ■


كنت في باريس عام 2010، وكان هاجسي الذي يلاحقني منذ الطفولة يسير معي في شوارع المدينة ليبحث عن خطوات الرجل الذي سار هنا قبل قرن. كنت أسمع صوت خطواته، وكانت باريس تمطر بغزارة والصيف في أوّله، كنت على ثقة بأن عقيل أبو الشعر معي وأنا أقف على ضفاف السين، أسمع تنفسه، وأراه يركب معي في المترو، ويجعلني اتلفت لأبحث عن شارع ستراسبورغ حيث كان عام 1919.

كنت على ثقة بأنني سأجد رواياته هنا في "المكتبة الوطنية"، قادني إلى هناك، أُقسم أنه كان معي وكان يسير بخطوات واسعة، وعندما أكّدت لي الموظّفة بأن لعقيل رواية باللغة الإسبانية محفوظة في المكتبة الوطنية، بكيتُ والمطر في باريس يزداد غزارة. لا أدري إن كان قد أعطاني منديله المطرّز لأمسح دمعي، لكنني منذ تلك اللحظة التي تحقّق فيها هذا الهاجس، صارت باريس أجمل، وعرفتُ أن حُلمي منذ الطفولة بالبحث عن هذا الروائي الأردني الغائب قد تحقّق.

أفتح الصفحة الأولى من الرواية التي تم تعريبها ونشرها ضمن "منشورات وزارة الثقافة" في عمّان عام 2012، أفتحها بروح جديدة وأنا أعيد قراءتها للمرة الثالثة، وأجد عقيل الذي يحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة والموسيقى، والذي كتب روايات من قبل، يقول مخاطباً القارئ قبل أن يبدأ بروايته: "حلّ مؤلّف هذا الكتاب في الأرض المقدّسة في أواسط العام الماضي (1920) كمراسل لصحيفتين أوروبيتين. وخلال إقامته في القدس، كان شاهد عيان على مأساة مثيرة، وبما أن فصول هذا الحدث المأساوي ليس من اختصاص الصحافة، لأنها تخضع كما في أي بلد محتل عسكرياً، إلى رقابة تعسّفية وصارمة، فقد ذهب الراوي إلى تضمينها في رسائله العائلية، وإن إعادة كتابة تلك الرسائل يشكّل هذا الكتاب، فهو يقدّم للقارئ سرداً مبسطاً ومألوفاً، يخلو من أي تكلف أو طموح أدبي".

هذه هي مقدمة الروائي المتمرّس عقيل أبو الشعر لروايته "القدس حرّة"، التي كتبها كما ذكر تحت هذا النص بعد عودته من القدس عام 1920 في باريس، وكان أجمل ما اختصر فيه بحثه الدائم عن الحرية، ما اختاره ووضعه عنواناً للجزء الأول من روايته "أحببت العدالة، وقارعت الظلم، لذلك سأموت في المنفى!".

نعم، هذا ما فعله الروائي والصحافي عقيل القادم من باريس إلى القدس مندوباً من صحيفتين لنقل ما يحدث من تهويد واستلاب للمدينة المقدسة. ويبدو بوضوح أن الرجل صاحب قلم روائي متمكّن من فنه، فقد كتب رواية "الفتاة الأرمنية في قصر يلدز"، ربما عام 1912، وكتب ونشر رواية "إرادة الله" باللغة الإسبانية عام 1917، لكنه هنا عام 1920، يحضر للقدس كمراسل صحافي، والقدس تحت الانتداب البريطاني، ويعرف أنه محاصر ولا يستطيع أن يرسل تقاريره عن دور الانتداب البريطاني في تسهيل الهجرة الصهيونية لفلسطين، فيضطر لتهريب هذه التقارير الصحافية عبر رسائل عائلية لا تطالها سلطة الانتداب.

وبعد عودته إلى باريس يقوم بإعادة كتابتها بشكلها الروائي... وعقيل هنا يعتذر من القارئ، ويقول بأنه لا يسعى لكتابة فنية متكلّفة، بل يكتب (بسرد بسيط) لأنه يميز بين تقاريره الصحافية، وبين كتابة الرواية، وهو ما أعجبني عند إعادة قراءة هذه الرواية التي قدمها شاهد عيان حر يكره الظلم ويحب العدالة...

هذه الرواية تعتمد على مشاهدات عقيل نفسه؛ الصحافي القادم من باريس عام 1920 إلى القدس التي عاش فيها ودرس فيها وأحبها، القدس التي رأى كيف يحضّر لاحتلالها مئاتُ المهاجرين الذين جاؤوا بالباخرة إلى ميناء يافا، كان هو يقف في الميناء بعد أن حضر من القدس بالقطار لينقل ما شاهده للصحيفتين الغربيتين، ووصف ما رآه وقال بإنهم يتكلمون بلغات كثيرة، وتابعهم وهم يحتلون المقاعد كلها في القطار الذاهب بهم من يافا إلى القدس.

وعندما تمكن أخيراً من العودة للقدس بالقطار، وتوجه إلى الفندق، وجد أن غرفته تمت مصادرتها من قبل صاحب الفندق وهو يهودي، وإعطائها لمهاجر حضر من روسيا... ويصر الصحافي - وهو هنا عقيل نفسه- على استعادة غرفته، ويصر على النوم في سريره، ويضطر لأن يدفع لصاحب الفندق ليبقى في غرفته...

هذه المشاهد حقيقية نقلها المراسل الصحفي، وحوّلها لاحقاً لمشهد في روايته... ألا يستحق مثل هذا العمل الذي مرّ عليه مئة عام أن يُدرَّس؟ ألا يستحقّ هذا الرجل الذي صرخ قبل قرن بأن "القدس حرة" أن يعرفه قومه؟

يا إلهي؛ إن نفسي حزينة حتى الموت، كم تعبت حتى استطعت بجهودي الخاصة أن أستعيد هذا الروائي الأردني إلى وطنه، كم سمعت من قبل تساؤلات من الباحثين والأكاديميّين والكتّاب عن هذه الشخصية. وعندما نجحنا في استعادته وترجمة ثلاث روايات له ما بين سنوات 1917 م و1934 من الإسبانية والفرنسية إلى العربية، سكتوا، إلا القلّة منهم!

زمن الحجر، عدتُ وقرأت هذه الرواية التي نشرتها وزارة الثقافة، وأعادت نشرها ضمن مشروع "مكتبة الأسرة ". هل أقول بأن التقصير كبير بين الأكاديميين والكتّاب لأوّل روائي أردني؟ هذا ما لاحقني طوال إعادة قراءة "القدس حرّة" لعقيل أبو الشعر في زمن الحجر.

كان إحساسي بالأسف أكبر من كبير لأنني أعدت قراءتها في زمن ستقوم "إسرائيل" فيه بضمّ أراض جديدة، بعد مئة عام من صرخة عقيل في وجوهنا: "القدس حرّة... القدس حرّة".


* كاتبة وأكاديمية أردنية