يوميات العزلة: في العالم الذي أسّسته

06 مايو 2020
الصورة
(سلوى السعداوي)

تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في يومياتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية.


كيف ستكون أيّامي في الحجر الصّحي اللاإرادي؟ إنه السؤال الذي طرحته على نفسي - وأنا أتابع بكبير اهتمام - كثافة الأخبار العالمية عن فيروس كورونا الذي باغت العالم بأسره. هل سيتغيّر برنامجي اليومي الذي اعتدت عليه منذ سنوات؟

أنا بيتوتية بطبعي، أسّستُ عالمي الخاصّ بين الكتب والمجلات الفلسفية والنفسية والأدبية، قبل كورونا وأثناء الحجر الصحيّ. ولن يتغيّر وضعي اليوميّ بعد كورونا، وبعد التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية العالمية المنتظرة. فمن اعتاد طقوس القراءة اليومية والبحث الدقيق المتأنّي لن يملّ العزلة والوحدة، بل سيبتعد عن تفاهات اليوميّ.

تضاعفت سعادتي بهذا الحجر الصحيّ، حتى أواصل الكتابة، كلّ يوم، والبحث في اختصاصي في السرديات. أشتغل حالياً على كتاب نقديّ حول اليوميات. وعقدتُ العزم على أن أقرأ الكتب التي اشتريتها من الخارج، ولم تتسنّ لي قراءتها أوقات التدريس. أُبكّر في النهوض، وأُطلّ من نافذة المكتب، فأجد حمامتي البيضاء وقد حطّت على الرخام، تنقر البلوّر بلطف، وتنظر إليّ حتى ألقي عليها تحية الصباح كالعادة وأحادثها بهمس، وتحادثني بألفة.

كلما أجد نفسي أتنفّس الهواء في الشرفة، وأتحسّس أعضائي، عضواً عضواً، وأجدني ما زلت حية، يطمئنّ قلبي وينتشي عقلي الذي له لهفة لا تقاوم لقراءة الروايات العالمية ("عالم صوفي"، "عندما بكى نيتشه"، "كافكا على الشاطئ"...).

أنظر يومياً، لا بدافع نرجسيّ، في المرآة أتملاني وأبحث عنّي في هذا الزمن الجديد. اعتدتُ يومياً المحاورة الذاتية، والتأملات البعيدة التي تأخذني إلى عوالم ما زلت أحلم بالسكن فيها. إنّ الآخر / الخارج هنا، يلازمني في عزلتي التي لم تكن قطيعة نهائية مع ما يحدث في أُسرنا أو في تونس. إذا شعرت بالتعب من الجلوس طويلاً إلى المكتب، أشاهد الأفلام. أحبّ الأفلام السياسية والتاريخية والنفسية.

نعم، يهمّني الحاضر كثيراً، عليّ أن أعيش اللحظة بكلّ كياني. وعليّ أن أعيد النظر في علاقاتي الاجتماعية، وأنا هنا في بيتي. يقولون إنّ اليوميّ قاتل، لأن الأعمال تتكرّر يومياً إلى حدّ الملل والشعور بالغثيان، لكنني في عزلتي أجدّد حياتي، كما أجدّد أقلامي ومحمولات الكتابة. الورق الأبيض يغريني فيسيل فكري وتهتزّ مشاعري. هي أشيائي التي تعرفني وأعرفها، لا تملّني ولا أملّها. جميل أن نعقد صداقات حميمة مع أشيائنا، وننشئ معها احتفالية خاصّة: القلم والكتاب والحاسوب والمرآة وأدوات الاستحمام والحمامة التي أصبحت هي والأرنب (صديق ابنتي)، من أشيائي، وكائنات لصيقة بذاتي وبعالمي المرح والحزين.

وجميل أن يكتظّ بريدي الخاصّ برسائل الخلّص من الأصدقاء، من كافة أنحاء العالم، فأجيب بكلّ ودّ واحترام وننخرط في نقاشات ثقافية. أجد متعة كبرى وأنا أتحاور مع طلبتي في إشكاليات الدروس، وأحنّ إلى أجواء الكليّة والتدريس المباشر.

أحياناً، يعنّ لي، بعد القراءة اليومية، أن أغنّي وأبكي. فيرتفع صوتي، يردّد أغاني فيروز مثل "راجعين يا هوى" أو أغاني نجاة الصغيرة؛ "في وسط الطريق" و"لا تنتقد خجلي الشديد"... وأردّد مع ابنتي الصّغرى أغاني صليحة وعلي الرّياحي.. وأعود إلى الزّمن الجميل، وإلى أغاني الشيخ إمام، فأشعر كأنني عدت طالبة شابّة.. فأراني في احتفال طلابيّ كبير بيوم الأرض، أو باليوم العالميّ للمرأة، وأنا في الحجر الصحيّ، وأنا، الآن وهنا في بيتي جالسة إلى مكتبي أو واقفة في الشرفة، وقد انطلق خيالي بعيداً في الأفق الرّحب. إنّ الحلم والخيال يشعراننا ببعدنا الأنطولوجي، وبأنّنا لم نفقد بعد ملكة الإبداع زمن "كورونا".


* ناقدة وأكاديمية تونسية. من إصداراتها: "الرواية العربيّة المعاصرة بضمير المتكلّم" (2010)، و"قراءات في نصوص سرديّة" (2015)، و"الكذب الحقيقيّ، من قال إنّني لست أنا، في إشكاليّة التّخييل الذاتيّ" (2016).