يوميات "فيسبوكية" ـ غياب النقاش السينمائي: الانفعال أقوى

29 مايو 2020
الصورة
الانتفاضة اللبنانية: صرخةٌ مطلوبة لتغيير جذريّ (حسين بيضون)
تزداد حدّة سجالات فيسبوكية في مسائل كثيرة. للسينما حصّةٌ أيضاً، والسجال حول مسائل متعلّقة بها، كما حول عاملين/ عاملات فيها، يحمل قدراً كبيراً من الحدّة، التي تمنع نقاشاً سليماً. "انتفاضة 17 أكتوبر" (2019) اللبنانية سببٌ في سجال حادّ كهذا، إذ ينتقد ناشطون فيها أحوالاً وأناساً وتصرّفات بلغة تمزج الشتم بالتقريع، وتمتلك غضباً يُعبَّر عنه انفعالياً. هذا غير مُتَداول، كما هو الآن، في وقتٍ سابق على الانتفاضة، أو أنّه مُتَداول حينها، لكن بحدّة أخفّ. الانتفاضة سببٌ في تمكّن كثيرين من كسر حواجز عدّة، وهذا مطلوب وضروري، لكنْ من دون بلوغ مرتبة في النقاش لا علاقة لها بالنقاش.

"فيسبوك" يُتيح مساحة كبيرة للغةٍ كهذه، ما يُصعِّب على نقاشٍ نقدي أنْ يعثر على حيّز له فيه. مع هذا، نادرون هم المتمسّكون بنقاشٍ يخلو من تقريع وشتم، مقابل أناسٍ أكثر عدداً يستخدمون تلك اللغة لسهولتها، أو ربما لكونها "أكثر راحة للتعبير" في مناخٍ لبناني عابقٍ بخراب يزيده "كورونا" خراباً، بعد خرابٍ تصنعه سياسات اقتصادية ومالية وحياتية، تُسبِّب "انتفاضة 17 أكتوبر" المنقوصة. سياساتٌ تؤدّي إلى مزيدٍ من الفقر والانشقاقات والفوضى والغضب. هذا يُعبَّر عنه شتماً وتقريعاً، لأنّ الشتم والتقريع أسهل في وصف فداحة واقع وبؤس أحوالٍ مزرية. سهولة الوصف والقول بالشتم والتقريع تظهر في "فيسبوك"، كما تظهر في كلامٍ بين أصحابٍ ومعارف، في مقهى يفتح أبوابه قليلاً كلّ يوم.

الشتم والتقريع يدّعيان، أحياناً، براءة قولٍ، لاستخدام قائلهما مفردات "توحي" ببراءة قول، أو هكذا يظنّ قائلُها. عاملات وعاملون في السينما يكتبون في "فيسبوك"، بين حينٍ وآخر، ما يعتبرونه موقفاً أو تعبيراً ديمقراطياً، فيشتمون ويُقرّعون بكلماتٍ بسيطة ولغة أهدأ، ظنّاً منهم أنّ قولهم صادق وشفّاف لاستخدامه كلماتٍ بسيطة ولغة أهدأ، وأنّهم قادرون على إيهام آخرين بأنّ قولهم صادق وشفّاف للسبب نفسه، وبأنّ الحقّ معهم أيضاً، وبأنّهم ضحايا من ينتقدهم بلغة نقدية سليمة، لأنّ من ينتقدهم غير مَدّاح لهم، ولأنّ اللغة النقدية السليمة لن تكون مديحاً أبداً، وهذا يرفضونه. ينسون، في قولهم، ماضياً وذاكرة. يتعاملون مع آخرين بفوقية، تنبع من ثقافة استعلائية موغلة في الاجتماع اللبناني منذ زمن. يريدون من الآخرين مديحاً فقط، وإلاّ فألف لعنة يُسقطونها عليهم، فهم الأبرار، و"الآخرون هم الجحيم"، لأنّ الآخرين غير منقادين لهم. ينبذون كلّ قمع ومنع، ويجدون ـ في موقف نقدي أو صحافي يدعم نبذهم هذا لقناعة صاحب الموقف بنبذٍ كهذا ـ ما يُريحهم. لكنْ، إنْ يكن لصاحب الموقف نفسه رأي مخالف لما يريدون، يُصبح ـ بسرعة بالغة ـ منشقاً يستحقّ الرجم، فيستخدمون في رجمه قمعاً ومنعاً وشتماً وتقريعاً، وإنْ بمفردات أهدأ.

بعض هؤلاء غير منتبهٍ إلى تغييرات يُفترض به ممارستها نحو الأفضل، في زمنٍ بائس كهذا، لمواجهة الزمن وبؤسه معاً، إنْ تمثّل البؤس بـ"كورونا"، أو بفساد ونهب وتسلّط وقمع ومنع وكذب وتزوير، يمارسها متحكّمون بالبلد والاجتماع والناس، وبعض الفساد والتسلّط والقمع ميزة أناسٍ يحاربون الفساد والتسلّط والقمع خارج السينما، وفيها أيضاً عندما يطاولها هذا كلّه، لكنّهم يمارسون هذا كلّه بحقّ من يرونه خارج "قطيعهم" في مسائل سينمائية، وأخرى كثيرة أيضاً.

فيسبوكيون عديدون ينتفضون على مقدّسات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفنون والحياة، وهذا جميل وحسن، لكنّ بعضهم، على الأقلّ، يُدافع بشراسة، في الوقت نفسه، عن سينمائيين يراهم مقدّسات، ممنوعٌ المسّ بها. في المقابل، هناك منتفضون/ منتفضات على مقدّسات يشتمون سينمائيين من دون هوادة، وبعض المنتفضين/ المنتفضات دعاة ثورة وانقلابٍ وتغيير، فإذا بهم، بسلوكهم هذا، يُشبهون من ينتفضون عليه.

التقديس مرفوض. الشتم والتقريع أيضاً. التقديس والشتم والتقريع دلائل على أنْ لا شيء يتغيّر، فالمصيبة كبيرة، والخراب فظيع، لأنّ هذا مرتبطٌ بتربية وثقافة وسلوك يجب تغييرها جذرياً. لكنْ، يبدو أنّ اللبنانيَّ عصيٌّ على التغيّر صوب الأحسن، وسبب ذلك غير مرتبط بشقائه اليوميّ فقط، بل بسلوكٍ وتفكيرٍ وتربيةٍ ونمط حياة أساساً.
تعليق: