يوسف رخا: رواية خارجة عن القائمة القصيرة

21 أكتوبر 2015
الصورة
(يوسف رخا)

"بيروت شي محل"، "شمال القاهرة غرب الفلبين"، "كتاب الطغرى" و"كل أماكننا"، بل كل أماكن يوسف رخا، لا يمكننا أن نعرف من يسكن الثاني، هل يسكن الشاعر والروائي المصري المكان أم أن هذا هو ساكنه.

لنقل إنه قاطن الأمكنة كلها في آن، حتى تلك التي مرّ عابراً منها؛ مسّاحاً للواقع الاجتماعي والسياسي فيها، وأحياناً التاريخي والجغرافي، مثلما فعل في روايته الأولى "كتاب الطغرى"، والتي سيتبعها قريباً بروايته الثانية "باولو" التي ستصدر عن "دار التنوير" مطلع 2016.

غالباً ما اختار رخا النشر خارج القاهرة، عن ذلك يقول: "كنت مهتماً بأن يكون لأعمالي ناشر مهني يعرف ماذا يفعل". فحين بدأ نشر أول كتبه، عام 2005، كانت صناعة النشر في مصر - ومع ازدياد دور النشر الصغيرة - تتّخذ شكل المقايضة النفعية؛ حيث يدفع المؤلف مقابل نشر أعماله، الأمر الذي رفضه رخا. كذلك لم تكن الدور الكبرى، مثل "دار الشروق"، تهتم بالكتابات المعاصرة. يوضّح "لذلك تعاملت مع دار "رياض الريس" لإحساسي أن جزءاً من شرعية وجود نصوصي هو أن هناك ناشراً جاداً قرّر أن ينفق على نشرها".

لا يعتقد صاحب "أزهار الشمس" أنه ضحّى بالتوزيع في مقابل الالتزام مع ناشر مهني. يصرّح "لم يكن الهوس التجاري وصَل للأوساط الأدبية بعد، كما كان مفهوماً وقتها أن الكتب ذات الكثافة التوزيعية هي الكتب الدينية وكتب الصحافة الصفراء والفضائح".

في نهاية شباط/ فبراير 2011، صدرت لرخا أولى رواياته "كتاب الطغرى" عن "دار الشروق" القاهرية، التي يقول بعضهم إنها ساهمت بالنصيب الأكبر في تكريس حالة "الأكثر مبيعاً" في البيئة الثقافية المصرية قبل ذلك بسنوات، لكن صاحب "التماسيح" يرى أن تجربته مع "الشروق" لا يقاس عليها، كونه ليس من "البيست سيلر".

رغم ذلك، يرى رخا أن توقيت صدور الرواية أثّر على انتشارها، فقد صدرت بعد الإطاحة بمبارك بأسبوعين، لذلك، بحسبه، لم يهتم بها أحد كما يجب، ويلفت: "عندما أعلنتُ عن صدورها على الإنترنت كنت أشعر بالخجل؛ لأن هناك ما هو أهم من أي رواية" ويعود فيُجمل ما حدث بالقول "بعد ذلك، وحتى نهاية 2012 على الأقل، تلاشى الاهتمام بالأدب في مصر تماماً بسبب "الربيع العربي" والتناحر السياسي".

كما أنّ رخا لا يعتبر نفسه من أصحاب "البيست سيلر"، فهو ليس من أرباب الجوائز ولديه انتقادات على الجوائز العربية المستحدثة، التي يشوبها الفساد والمصلحة وفقاً لتعبيره. يقول "بات واضحاً أن هذه الجوائز تمثّل قوة دفع لتوزيع روايات من نوع معيّن في العالم العربي، ولم يتحقّق المقصود من ورائها من خلق مساحة للأدب العربي في الغرب".

ويؤكد أن ما صنعته الجوائز مناقض لهدفها المعلن، مضيفاً "أصبحت حالة سلطوية مشوبة على الأقل بآفة العلاقات والمجاملات لأنها ختم يضمن درجة من الرواج بغض النظر عن المكتوب نفسه".

الانتقادات التي يوجّهها رخا منعته من تقديم روايته الثانية "التماسيح" للدخول في سباق البوكر رغم رغبة الناشر. لا يعني هذا أن ذلك كان موقفه المسبق من الجوائز، فقد تقدّم قبلها بروايته الأولى للجائزة نفسها، لكنها لم تصل إلى القائمة الطويلة. لا يشعر رخا بسبب ذلك بالحسرة ولا الحسد كما يقول، لكنه يشعر بـ"الإحباط تجاه ما آلت إليه الأمور"، يضحك ويكمل "لا أريد أن أقوم باتصالات ومناورات لأصل إلى القائمة القصيرة ثم أفاجأ بمنافسة إبراهيم عيسى أو أحمد مراد".

تبدو النبرة التهكمية واضحة في كلام صاحب "بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس" حين يتحدّث عما يسميه "أدب المسلسلات التلفزيونية"، ولا يعتقد بصواب الرأي الذي يقول إن انتشار مثل هذه الروايات الخفيفة يساهم في تحريك السوق باتجاه كثافة قرائية لروايات أجود وأعمق، إذ يقول "سمعت هذا الكلام عن "عمارة يعقوبيان" من صنع الله إبراهيم في 2002 كما سمعته في ما بعد، وكنت مستعداً لاختبار المقولة، لكن الحقيقة أن هذا كلام فارغ" ويتابع "أعتقد أن هذه الروايات توزع فقط لأن من يقرؤونها ليسوا من المتمرّسين في قراءة الأدب، وما يقرؤونه لا يعدو أن يكون صحافة صفراء أو مسلسلات تلفزيونية على شكل أدب. فهل من يقرأها مستعد للاهتمام بسواها أدبياً؟ بالتأكيد لا".

وعن مستقبل الإنتاج الأدبي والفني في مصر، لا يبدو رخا متفائلاً على المدى القريب: "أظن أننا حتى الآن لم نبرح مكاننا الذي كنّا فيه نهاية التسعينيات"، يفصّل: "هناك ثلاثة قطاعات: ثقافة الدولة متمثلة في وزارة الثقافة، ذلك الكيان المترهل والفاسد والمقطوع الصلة في 90% من إنتاجه عن الثقافة الحية وخدمة المجتمع، ثم الثقافة التجارية المرتبطة بالتلفزيون والقادمة من الخليج بما فيها من غزو وهّابي، وأخيراً هناك الثقافة البديلة أو المستقلة والتي اعتمدت على جهات مانحة أجنبية - ما عرّضها إلى هجوم غير مبرر في ضوء أن الدولة نفسها تتلقى دعماً أجنبياً - أو على جهود ذاتية، لكنّ المبادرات الحرة لا يمكن إلا أن يكون تأثيرها محدوداً في غياب الدعم المؤسسي والتجاري".


اقرأ أيضاً: علاء خالد.. الظل الآخر للأشياء

تعليق: