يوسف القطب... مصور الثورة الفلسطينية وحافظ أرشيفها

29 يناير 2020
الصورة
تأثّر شغفه بالتصوير بسبب بعده عن فلسطين (العربي الجديد)
+ الخط -
أصبح يوسف القطب مصوّراً متقاعداً الآن، لكنّه لم يتقاعد يوماً عن دوره في حفظ صور الثورة الفلسطينية. فهو أحد صناع تلك الصور من قلب الأحداث العسكرية، والذي عمل على مدار أعوام في التصوير المركزي والإعلام الموحد، لينتهي به الأمر حاملا لأرشيف الثورة ممتلكاً نحو 200 ألف صورة. 
خاض المصور العسكري الفلسطيني يوسف القطب (66 عاماً) معركته الخاصة بتصوير العمليات العسكرية والقصف والمعارك، وكذلك المخيمات في لبنان ولاجئيها، قبل أن يغادر مع الفصائل الفلسطينية إلى تونس حاملاً معه أرشيفاً ثميناً من الصور التي توثق لجزء مهم من الثورة الفلسطينية. ثم نقلها معه إلى رام الله، ليكمل عمله في التصوير لا سيما في انتفاضة الأقصى، وهو يسعى الآن لإقامة متحف الصورة الفلسطينية في منزله في قرية المزرعة الغربية شمال غرب رام الله، وسط الضفة الغربية.

من فتى لم يتجاوز ثلاثة عشر عاماً إلى مقاتل ثمّ مصور، يروي القطب قصته لـ"العربي الجديد"، من ساحة منزله في المزرعة الغربية، والتي يحولها أحياناً إلى معرضٍ لصوره. إذ إنه في عام 1968 أي بعد سنة واحدة على النكسة واحتلال القدس؛ كان فتى مقدسياً يرقب عدداً من جنود الاحتلال على باب الخليل أحد أبواب البلدة القديمة في القدس، فيطعن مجندة هناك، ويقتاد إلى مركز لشرطة الاحتلال ويتمكن من الهرب، وفي ظل تلك الظروف يتوجه إلى الأردن لينضم إلى معسكر أشبال الثورة الفلسطينية في مخيم البقعة.




أصبح يوسف مقاتلاً شارك في عمليات انطلقت من الأردن، ثم من سورية بعد خروج الفصائل الفلسطينية من الأردن، وثم استقر في قاعدة عسكرية في جنوب لبنان. هناك أصيب بحروق بإحدى رجليه بقذيفة فوسفورية في عام 1973 بقصف إسرائيلي، لينقل إلى إحدى مستشفيات العاصمة اللبنانية بيروت، والتي كانت بداية انتقاله من مقاتل إلى مصور، بعد أن زاره عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد أبو شرار والذي كان مسؤول الإعلام الموحد، "حين رأى أبو شرار بجانبي كاميرا صغيرة، سألني عن الكاميرا فأجبته بأنني أصور بعض الأحداث، فطلب مني التوجه إلى الإعلام الموحد بعد أن أتماثل للشفاء"، يقول يوسف.

ويضيف "بعد تدريب على التصوير على أيدي (معلمي التصوير) هاني جوهرية وعمر المختار ومطيع إبراهيم، عدت إلى قاعدتي العسكرية في جنوب لبنان، لكن هذه المرة بكاميرا أكبر قليلاً، من طراز روسي. صرت أصور الأحداث، أتوجه بالأفلام إلى بيروت أحمضها وأوزعها على وكالات الأنباء وأعود إلى القاعدة العسكرية، حتى العمليات العسكرية كنت أرافق المقاتلين أصورهم حين يتوجهون إلى العمليات، وفي لحظة معينة أنسى التصوير وأشارك في المعارك".




تحول القطب إلى مصور بشكل كامل بعد عامين تقريباً، والهدف واحد: القضية الفلسطينية. كان للصورة أهمية كبيرة، وخصوصا الصادرة من الإعلام الموحد، كما يؤكد يوسف في حديثه لـ"العربي الجديد": "كانت رواية الإعلام الموحد أصدق رواية، والصورة الأهم هي التي نلتقطها نحن فهي من قلب الحدث، ولا يستطيع مصورو وكالات الأنباء تصويرها، أفخر بنفسي أنني وثقت صورا لم يستطع معظم المصورين التقاطها". كان لذلك الأثر الإيجابي في مصداقية الرواية الفلسطينية، بحسب القطب، وكانت الصور تطبع وتوزع على الصحف والسفارات ووكالات الأنباء، وتقام المعارض لتلك الصور في الأقاليم خارج لبنان.

يفخر القطب أيضاً بما يملكه اليوم من ثروة كما يقول، هي ليست ثروةً مالية، فقد رفض بيع الصور رغم العروض الكثيرة؛ إذ تبلغ ثروته أكثر من 200 ألف صورة من حقب مختلفة: صور للمعارك، وصور للمخيمات في لبنان وأخرى حديثة بعد عودته إلى فلسطين بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، منها صور لانتفاضة الأقصى، صوّرها خلال عمله في وكالة "وفا" الرسمية، وأخرى للطبيعة التي يكثر تصويرها منذ وصوله لسنّ التقاعد قبل خمسة أعوام.
الفخر الأكبر للقطب أنه في عام 1982 كان له الدور الأبرز في الحفاظ على الأرشيف الصوري للثورة، حيث نقل بحقيبته وحقائب زملائه الأفلام الفوتوغرافية عبر البواخر في البحر إلى تونس حين خرجت فصائل منظمة التحرير من لبنان، وأمضى وقته في تونس بفرز وتصنيف تلك الصور لتصبح أرشيفاً حقيقياً، ثم أعاد الجزء الأكبر من صوره إلى الضفة الغربية بعد عودته، رغم محاولات جنود الاحتلال على معبر الكرامة منعه من إدخال الحقيبة التي تحوي الأفلام الفوتوغرافية.



عاد القطب، كما يروي، من الموت أكثر من مرة، إحداها في عام 1976 حين توجه مع خمسة من زملائه المصورين الفوتوغرافيين ومصوري السينما لتصوير عدوان إسرائيلي، وتعرض مع زملائه لقصف نجوا منه، لكن الأحداث تسارعت ليصاب هو وزميل له، فيما فقد أثر ثلاثة من زملائه في الميدان ليظهر بعد أشهر استشهاد اثنين منهم واعتقال الثالث.
في منزل القطب، مكان مخصّص لكاميراته التي استخدمها على مدار أكثر من أربعة عقود، أهمها الكاميرا الصغيرة التي استخدمها قبل أن يصبح مصوراً، وأول كاميرا استلمها من الإعلام الموحد، فضلاً عن جوائز حصل عليها خلال مسيرته. وأسفل منزله يحتفظ بعدد كبير من الصور والأفلام والشرائح التي لا تزال لم تتح له الفرصة لتحويلها إلى أرشيف، لكنه يخطط لتحويل المكان إلى متحف للصورة الفلسطينية في حال توفرت له الإمكانات.

حياة القطب تغيرت تماماً بعد خروجه من لبنان وساحات المعارك، إذ يقول: "بعد خروجي إلى تونس، لم أعد بنفس الحماسة في التصوير، تأثرت لأنني بعيد عن الحدود مع فلسطين، وحين عدت إلى الضفة مصوراً في وكالة وفا، شعرت أنني أصبحت موظفاً، هذه ليست حياتي، لكن انتفاضة الأقصى أعطتني دعما ًنفسياً ومعنوياً للتصوير".

وحول التحولات السياسية الفلسطينية بين ما عاشه في الأردن ولبنان، وما عايشه لاحقاً يقول القطب: "هناك فرق كبير، كانت حياتنا كمقاتلين وكأننا يد واحدة، يتمنى الواحد أن يموت هو بدلا من زميله، لكن كل شيء تغير".









المساهمون