يوتوبيا ''النموذج التنموي'' والفشل المحتوم

18 اغسطس 2019
لعل مصطلح "التنمية'' يعد واحدا من أكثر المصطلحات شيوعا في عصرنا الحديث دوليا وقوميا، كيف لا والموضوع يشكل الشغل الشاغل لكل الأنظمة، سواء أكانت ديمقراطية أو استبدادية، بيد أن هذه الطموحات في تحقيق التنمية تتمخّض عنها نتائج متباينة، تعكس هوة شاسعة بين دول الشمال وبين دول الجنوب التي من بينها دول المنطقة العربية..

ولأن المناسبة شرط، دعوني أنطلق من المثال المغربي بمناسبة الخطاب الملكي الأخير، الذي دعا بعد إقرار سابق بفشل النموذج التنموي المغربي الحالي، إلى التفكير في نموذج تنموي جديد، وقد برز هذا المعطى نتيجة لما تتم معاينته في الواقع من استمرار مظاهر البؤس والفقر، وذلك بالرغم مما تعلن عنه الجهات الرسمية، في تباهٍ، من معدلات نمو ومن استثمارات ومشاريع كبرى، ومن هنا يطفو إلى السطح التساؤل التالي: هل المشكل في النماذج التنموية المتبعة حتى الآن أم أن المشكل في واضعيها؟!


إن النظر إلى التنمية على أنها مجرد توسع اقتصادي يتحقق عن طريق استثمار نسبة عالية من الأموال هو خطأ شائع وقعت فيه كل البلدان العربية، ذلك أن التنمية أكبر وأعمق من ذلك، فالتنمية هي بالأساس دينامية حضارية تشجع مختلف أنواع الفنون الإنتاجية عن طريق تنظيم مجتمعي يرتاح إليه الشعب بكل مكوناته، وبالتالي فالتقدم لا يتطلب استثمارات ضخمة، وإنما هو يتطلب تنظيما مجتمعيا يتمكن فيه الفرد من ممارسة المزيد من المبادرات الإبداعية والابتكارية، أما استثمار الأموال بمبالغ ضخمة فهذا ما تحتاج إليه المجتمعات التي وصلت اقتصاداتها إلى درجة كبيرة من التعقيد والتصنيع، أما نحن في العالم العربي فما نزال في المرحلة التي يجب أن تنصب فيها الجهود على تحرير قدرات الأفراد وتخليصها من ممارسات السلطة الفوقية والأبوية والتي لا تفرز سوى شعوب خاملة هامشية واتكالية.

الملفت في مسألة التنمية أن جل أنظمة الحكم العربية اتجهت في نظرياتها ومخططاتها التنموية نحو طريق تصور لها أنه أسهل وأسرع وأضمن، ألا وهو طلب التصنيع من الدول المتقدمة صناعيا، والحال أن التصنيع ليس مجرد عملية استيراد - بما لا يراعي البيئة والمستوى التقني المحلي - للتجهيزات والآلات أو حتى المصانع الباحثة عن تكاليف رخيصة، فهذه ليست سوى نماذج تنموية تناسب مصالح الدولة الكبرى، فنحن هنا أمام شكل من أشكال التنمية بالوكالة تمارسها بيروقراطية حاكمة، نيابة عن الشعب وتسلمها لمصالح الدول الصناعية، فلا تكون النتيجة في هذا المسلك الاستلابي، سوى المزيد من الاختلالات التنموية التي تبقي شرائح واسعة من المجتمع في حالة حرمان من الازدهار الذي يفترض أن تأتي به التنمية الحديثة، ومن تجليات ذلك انشطار مجتمعاتنا اليوم إلى طبقتين تفصل بينهما هوة سحيقة: قلة من الأغنياء الذين لا حد لثرواتهم، وكثرة من الفقراء الذين لا يجدون المسكن والملبس والعيش الكريم مهما جاهدوا.

في الواقع مخططات التنمية ولكي تحمل أثرا محسوسا لدى كافة أفراد الشعب، لا بد لها وأن تمر عبر مشروع ثقافي وحضاري ذاتي، وهذا الأخير لا بد له من انفتاح سياسي، وهذا الانفتاح السياسي لا بد له من أن يهدد على المدى البعيد أسس السلطة التقليدية، لأنه يستجلب خلق أساليب حكم جديدة مبنية على الحرية وعلى مساهمة الشعب مساهمة ملموسة لا مساهمة شكلية في الحكم، وبطبيعة الحال هذه كلها خطوات يستحيل على أنظمة استبدادية الانخراط فيها، ومن هنا نستطيع القول بأن المخططات المسماة تنموية في العالم العربي، هي في معظمها مخططات مسؤولة عن بقاء التخلف، والبقاء في التخلف هو في نهاية المطاف لمصلحة النخبة الحاكمة بجميع شرائحها.

ومن المؤشرات المهمة لهذه الاستفادة الجمة التي تجنيها الأنظمة العربية من استمرار حالة التخلف، ذلك الإمساك الخفي بخيوط تلك اللعبة التي يتبارى فيها طرفا جدل قائم بين الداعين إلى الحداثة وبين المتمسكين بالتقليد، وهذا الجدل ليس في الحقيقة سوى إحدى إرهاصات تلك الانتكاسة التنموية التي نعيشها، وبالتالي فهو مظهر للفشل في الدخول في نهضة تنموية حقيقية، فما يحدث هو ردة فعل تنقسم في جانب إلى الانكفاء على التقاليد الماضية والتمسك بهذه التقاليد، تعويضا لخيبة الأمل الناجمة عن البقاء على هامش الرفاه، ثم في جانب آخر تأتي ردة الفعل في شكل تفرنج لا يعبر سوى عن تمسك بالشكل الخارجي للتقدم الحاصل في الغرب، والحقيقة أن الاتجاهين معا يعبران عن نزعة اغترابية تسهل بقاء المجتمع في علاقات سلطوية تناسب أهواء أهل الحكم، الذين يتفننون في العزف على الوترين معا، تارة عبر ماضوية شعبوية وتارة عبر تحديث مظهري، والنتيجة الكبرى لكل ذلك استمرار التخلف، وتحول سبل التخلص منه إلى سبل لاستثماره و للتطبيع معه.

إن العودة إلى فكرة الحرية المجتمعية بكل أشكالها، وفي مقدمتها الحرية السياسية، هو ما سيسمح بحدوث انفتاح ذهني على كل التيارات الفكرية والحضارية ودراستها دراسة جوهرية لا شكلية، ومن ثم سيكون بإمكاننا أن نستعيد مناخا فكريا وعلميا وتقنيا يسمح للمجتمع باستعادة حيوية مستقلة ذاتيا وفي ذات الوقت حيوية منفتحة على الآخر، عندئذ ستظهر تدريجيا الوسائل التنموية الأصيلة لتأمين ازدهار مجتمعي متوازن ومتماسك، أما إذا بقينا على ما نحن عليه اليوم، فستبقى تتوالى اللجان الواحدة تلو الأخرى من أجل وضع مخططات ونماذج تنموية، لكن فائدتها ستقتصر على الاستهلاك الإعلامي فقط، دون أية جدوى على أرض الواقع.