ينتفضون في تشيلي.. أيضاً

28 أكتوبر 2019
الصورة

آلاف التشيليين يتظاهرون في سانتياغو ضد الحكومة (18/10/2019/فرانس برس)

+ الخط -
كأن عقلية صاحب السلطة في الحكم واحدة، أيا كان بلده. يُصدر قرارا يؤذي الناس في جيوبهم، ثم بعد احتجاجاتٍ شعبيةٍ ساخطة، يتراجع، فيظنّ أن المسألة انتهت، من دون أن يأتي إلى مداركه أن ما ارتكبه كان القادح الذي احتاجه الغضب العام ليشتعل، ثم يستعر ويتمدّد، ثم لا يفلح لإطفائه اعتبارُ الأمر كأنه لم يكن. يقرّر رئيس الإكوادور، لينين مورينو، إلغاء دعم أسعار المحروقات، ثم ينتفض مواطنوه، وبعد أسبوعٍ من الغضب الشعبي، يلغي القرار. لم يلتقط الحكم في تشيلي الدرس، عندما رفع أسعار تذكرة المترو، (ثلاثين بيزو، أي ثلاثة سنتات من اليورو)، فرأى طلاب مدارس في القرار استفزازا، فدعت مجموعة منهم في "إنستغرام" إلى التجمّع في مترو الأنفاق في العاصمة احتجاجا، ثم دخلت تشيلي، منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، في ثورة غضبٍ مهولة، من تفاصيلها احتشاد أكثر من مليون مواطن في العاصمة يوم السبت الماضي في مظاهرةٍ طالبت برحيل السلطة، في أجواء احتقانٍ اجتماعي وسياسي حادّ، ساهم رئيس البلاد، سيباستيان بينيرا، في تأجيجِه، عندما استقبل أولى المظاهرات بالزّعم إن عدوا خارجيا وراءها، قبل أن يتراجع، ليس فقط عن رفع أسعار تذاكر المترو، وإنما بطلب الصفح من الشعب، وبمداهنة الاحتجاجات، بالقول إن الرسالة وصلت، "وإننا سنسلك طريق تشيلي الأفضل للجميع". وأقرّ حزمة إصلاحاتٍ، من قبيل زيادة المرتبّات التقاعدية، ورفع الضرائب على ذوي الرواتب الكبيرة، وخفض أسعار الأدوية، غير أن مظاهرات الغضب لم تتوقف، وتخلّلتها أعمال نهبٍ وتخريب، وفي الأثناء، سقط مواطنون قتلى في صدامات مع الأمن والجيش. وفي لبنان، قرّرت الحكومة ضرائب على خدمات برامج الاتصال والتواصل، "واتس أب" وغيرها، فأعطت بذلك الشعب الصاعق، فاشتعل غضب الاحتجاج المستمر منذ نحو أسبوعين، لا على الضريبة التي سارعت الحكومة إلى إلغائها، وإنما على النظام السياسي كله، على السلطة ومكوناتها، على ناهبي المال العام وما أكثرهم. 
هي النيوليبرالية المتوحشّة التي لا ترى في المواطنين سوى جيوبهم، ولا تعالج مشكلاتِها إلا بالضرائب ورفع الأسعار وخصخصة القطاع العام، من أسباب الاختلال الاجتماعي الفادح، ونقصان العدالة الاجتماعية العامة، والفقر الذي لا ينفكّ يتسع. كتب معلّقون تفاصيل بشأن هذا البعد الظاهر في مشهد الاحتجاجات العريضة في غير بلدٍ منذ أسابيع. والبادي أن الثورة الراهنة في تشيلي تشتمل على زوبعةٍ من دلالاتٍ غزيرةٍ في سياق هذا الأمر الذي يحتاج، لا ريب، إلى درسٍ أعمق، وتحليلٍ أكثر نفاذا في تفاصيله. ومن هذه الدلالات أن الديمقراطية، بتقنياتها المعلومة، من حرياتٍ عامة ومواسم انتخابية، ليست كافيةً لضمان الأمان الاجتماعي العام. وتشيلي، منذ عبرت في عملية انتقالٍ ديمقراطي، ناجحةٍ إلى حد كبير، بعد خلاصها من إرث حاكمها الدكتاتور الجنرال بينوشيه، في انعطافاتها الدستورية، في الأعوام 1981 و1989 و1997، موصوفةٌ بأنها من البلدان التي تنعم بالاستقرار في أميركا الجنوبية. وشهدت غير مرة تداولا على السلطة، وانتخاباتٍ رئاسية، وتدافعاً بين خيارات اليمين واليسار، ما جعلها تحقّق منجزاتٍ على صعيد الحدّ من الفقر، وتحقيق نمو في الاقتصاد، وتحسّن في الخدمات. ولكن ذلك كله لم يحُل دون تفاقم التفاوت الاجتماعي، ونقصان مداخيل الطبقة الوسطى، وارتفاع الأسعار، فضلاً عن احتياجاتٍ للشباب بدا أن البرامج الحكومية لم تيسّر استجاباتٍ مُرضية لها.
يدلّ على هذه الإشارات هنا أن انتظام مظاهراتٍ في أكثر من مدينة (خصوصا العاصمة سانتياغو)، ويشارك في بعضها أكثر من مليون مواطن، مع جنوح غاضبين إلى العنف، ييسّر دليلا عمليا معايَنا، ميدانيا مشهودا، على أن المحتوى الاجتماعي والشرط المعيشي (وغيرهما) من الاستحقاقات الشديدة الإلحاح على أي حالةٍ ديمقراطيةٍ، أو تمرينٍ ديمقراطي، أو عبورٍ إلى انتقالٍ ديمقراطي، سيما إذا كان الخيار الليبرالي في السياسة الاقتصادية في البلد يجري الأخذ به بتعسّف.. فيصير متوحشّا، على ما تصفه أدبياتٌ ذائعة. ثمّة درسٌ مهم، إذن، في الحادث منذ أيام في تشيلي، من احتجاجاتٍ فاجأت الرئيس بينيرا، على ما قال، لكنها لا تفاجئ قارئا حصيفا في الاجتماع السياسي، وفي الثورات أينما كانت.