يمينيون عرب في باريس.. ممارسة السياسة عبر حزب عنصري

25 ديسمبر 2015
الصورة
تبريرات متناقضة من عرب ملتحقين بحزب الجبهة العنصري(فرانس برس)
+ الخط -

يبرر الفرنسي من أصل جزائري، سمير الراوي، انضمامه إلى حزب الجبهة الوطنية الفرنسي المتطرف، بأنه ليس العضو الفرنسي الوحيد في الحزب من أصول عربية، ويُقسم بأغلظ الأيمان أن وسائل الإعلام هي التي "تُشيْطِن" الحزب، الذي يتبنى مواقف عنصرية ضد الأجانب وسياسات الهجرة والعرب والمسلمين.

"قد يبدو الأمر صادما، من الوهلة الأولى، يقول سمير (47 عاما)، الذي التحق بالحزب إلى أكثر من 8 سنوات، متابعا "أعرف أن موقفي لا يروق للكثيرين من أبناء جلدتي، الذين لا أستطيع بسهولة، مصارحتهم بالأمر، ولكني جربت كل الأحزاب السياسية وكلها خذلتنا، قررت أخيراً، أن أجرّب الحزب".

وكان حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف قد حقق فوزا كبيرا في الجولة الأولى من الانتخابات الجهوية الفرنسية، إذ تصدر النتائج بنسبة 30.6 في المئة. كما أنه جاء في الطليعة بست مناطق على الأقل من أصل 13، وهو ما أسعد سمير، الذي يرى الأمر دليلا على أن حزبه غير متطرف، وأن التصريحات العنصرية المتعددة لقادته، تكررت من قادة سياسيين من مختلف التيارات السياسية الفرنسية، "لكن، في نهاية الأمر، لا يُلام سوى قادة الجبهة الوطنية"، على حد قوله.

اقرأ أيضا: ليلة مظلمة في عاصمة النور.. تفاصيل هجمات باريس الدامية

بدايات التحاق العرب بالجبهة الوطنية

كانت بدايات التحاق العرب بحزب الجبهة الوطنية، من قبل الجزائريين المعروفين بـ"الحركيين" (الجزائريين الذين انحازوا للمستعمر الفرنسي، ولجأوا بعد استقلال الجزائر إلى فرنسا)، بحسب مؤرخين فرنسيين، إذ لم يكن اليسار الفرنسي ينظر إلى هؤلاء بِوُدّ، فيما يبرر عدد من الملتحقين بالحزب في الفترة الأخيرة سبب انضمامهم، بمواقف الحزب الخارجية، إبان قيادة جان ماري لوبين، من إدانة الغزو الأميركي الغربي للعراق وانتقاد سياسيات إسرائيل ضد الفلسطينيين.

"لكن هؤلاء يغفلون تاريخ لوبين"، كما يقول الشاب الجزائري المقيم في فرنسا طالب ياسين، متابعا "الكل يعلم أن لوبين مظلي سابق في القوات الفرنسية قتل من أبناء الشعب الجزائري، في الخمسينات العديد، وسبق أن اعترف بممارسة التعذيب، إذ قال "ليس لديَّ ما أخفيه، لقد مارسنا التعذيب، لأنه كان ضروريا".

ومع الاستحقاقات الانتخابية في فرنسا، تكتشف الأحزاب السياسية الفرنسية، بما فيها "الجبهة الوطنية"، وجود ناخب عربي وإسلامي مهمّ. فتنهال الوعود ويشتد الغزل والإغراءات، وتحس الجالية العربية والإسلامية بأنها جزءٌ من المجموعة الوطنية. وليست الانتخابات الأخيرة هي المرة الأولى التي يستهدف فيها الحزب اليميني المتطرف أصوات هذه الشريحة من الناخبين، كما يؤكد لـ"العربي الجديد"، الباحث الفرنسي محمد علي عدراوي، الأستاذ المحاضر في جامعة سنغافورة، قائلا "الكل يتذكر في فرنسا في سنة 2007، الإعلان الانتخابي، لحزب "الجبهة الوطنية" الذي يُظهر شابّة من أصول مغاربية وهي تقول: "إن اليمين واليسار كسَّرا كلَّ شيء، من الجنسية والاستيعاب والرقي الاجتماعي والعلمانية".

اقرأ أيضا: استغلال مأساة السوريين.. شبكات تسوّل باسمهم في حدائق باريس

دوافع الانضمام

من أجل معرفة دوافع انضمام هؤلاء الفرنسيين، من أصول عربية وإسلامية، إلى حزب معادٍ للعرب والمسلمين والمهاجرين، ليس فقط في فرنسا بل في أوروبا، التقى معد التحقيق، بالقيادي في الحزب، فريد سماحي، عضو المكتب السياسي للحزب والمستشار الإقليمي.

يرد سماحي على سؤال حول أسباب التحاقه بحزب عنصري، "هل تتصور أني مجنون حتى أنضم إلى حزب عنصري، وأنا منحدر من الهجرة، لوبين يُحب وطنه، تقربت إليه وجعل مني الرجلَ الذي أنا عليه، الآن، من منتخبي الجمهورية ومستشارا جهويا، وعضوا في المكتب السياسي، بل وأقول أكثر".

هل الحزب أصبح مآلا لليائسين الذين خيبت الأحزاب الفرنسية التقليدية آمالهم؟ يجيب فريد سماحي على السؤال قائلا:"تسألني عن فرنسيين من أصول عربية يتواجدون في أحزاب اليسار والإيكولوجيين وغيرهم، أقول لك إن الزمن تغير، فقد ألّفتُ كثيرا من الكتب وناضلتُ من أجل اندماج الفرنسيين من أصول مهاجرة، في الدوائر السياسية في بلدي فرنسا، ولم يُنصتْ، إليَّ، في تلك الحقبة، أحدٌ".

لكن ألا توجد عنصرية في الحزب؟ ينتفض سماحي قائلا: "لا توجد. فقد عايشتُ قيادات الحزب خلال عشرين سنة، وكنتُ، بصيغة ما، ابن جان ماري لوبين، بل وأكثر. أقدّر أن المجتمع الفرنسي ليس مؤهلا، بعدُ، لقبول اسم ذي رنة مغاربيّة، لأنه يُمثّل في نظره تاريخا يُحيل إلى الزمن الكولونيالي في الجزائر. إن مسألة الأسماء العربية تُشكّل عوائق أمام اندماجهم".

يتابع سماحي أنه "على المهاجرين، من أصول عربية، أن يضيفوا اسما آخَر إلى أسمائهم. لنَقُم بإطلاق أسماء "فرنسية" على أبنائنا، لنقم بهذه التجربة من أجل مستقبل أبنائنا". لكن هل معنى هذا أنّ الاندماج على الطريقة الفرنسية فشل؟ يقر سماحي بالأمر ويقول: "إن الحزب الاشتراكي الفرنسي، كما اليمين، حكَم مرات عديدة، وطيلة هذه الفترات كان يريد أن يرانا، إما لاعبي كرة القدم وإمّا كنّاسّين. لم ينجح المدرّسون في فرنسا في تلقين الأطفال تاريخ فرنسا كله".

سماحي الذي كان مدللا أثناء فترة جان ماري لوبين، تغير وضعه الحزبي الآن، إذ ابتعد عن مارين ابنته التي تقود الحزب منذ عام 2011، بعد 40 عاما من رئاسة والدها، يقول سماحي "إذا كان على مارين، كي تصبح رئيسة لفرنسا، أن تنبطح في الكنيست فهذا غير مقبول. وإلا لماذا لا ترشّح نفسَها في الانتخابات الإسرائيلية، ما دام أن نصف الإسرائيليين من حملة الجنسية الفرنسية؟".

ويصرّ فريد سماحي: "لا أزال عند رأيي، وهو أن "الجبهة الوطنية" الحزب الوحيد الذي يمكنه أن ينقذ مسلمي فرنسا إذا وصل للسلطة.. لأنه لن يطرد أحدا، ولكنه سيُخيّر المنحدرين من المغرب العربي وغيرهم بين الجنسية الفرنسية وبين جنسيات بلادهم الأصلية. فإن اختاروا جنسيات بلدانهم فهم مقيمون، هنا، بصفة شرعية، وإن اختاروا فرنسا ستكون لهم كامل المُواطَنة".

ترفض عالمة الاجتماع الفرنسية إيفلين بيرين Evelyne Perrin، منطق سماحي قائلة "هل يمكن لنا أن نشير إلى ساكنة من خلال أصولها، حتى لو كانت تعود إلى جيلَيْن أو ثلاثة؟ هؤلاء الشباب هم في معظمهم فرنسيون. وحين نستخدم تعبير "شباب منحدرون من الهجرة"، فنحن، غالبا، ما نتحدث عن "شباب مغاربيين". إنه شكلٌ من الوصم. ولكن السؤال المركزي يبقى: خلال كَمْ من الوقت سنظلّ ننظر إلى هؤلاء الشباب باعتبارهم "منحدرين من الهجرة"؟".

وبحسب بيرين، مؤلفة كتاب: "مغاربيو فرنسا الشبابُ، المكانة المرفوضة"(دار لارماتان)، فإن الأحزاب الفرنسية تعاني من ضعف رهيب في استقطاب الأعضاء، فأعضاء الحزب الاشتراكي في حدود 130 ألفا، فيما أعضاء حزب "الجمهوريون"، لا يتجاوزون 180 ألفا، وأما الأصوات المنحدرة من الهجرة فهي قليلة جدا، وتظل تقريبية، فالقانون الفرنسي يحظُرُ الإحصاءات على أسس عرقية أو دينية أو إثنية".

اقرأ أيضا: وزارة إعلام داعش.. منظومة الترويع الفني والحرب النفسية

علمانية كاذبة

تختلف حورية بوثلجة، القيادية في "حزب أهالي الجمهورية"، مع الآراء التي تتحدث عن أن حزب الجبهة الوطنية علماني، وتقول لـ"العربي الجديد":"علمانية حزب "الجبهة الوطنية كاذبة، كثير من مواقف الحزب مغرقة في "دينيتها". ومنها موقفه من قانون "الزواج للجميع"، وأيضا تصرفات عمدة مدينة بيزيي، روبيرت مينار".

وهو ما تؤيده عالمة بومدين، عضوة مجلس الشيوخ، السابقة عن حزب الإيكولوجيين، وتقول: "إذا كنا نحن نحسّ بنوع من الأبوية والتوجيه (فنحن نظل دائما قاصرين، في نظر رؤساء الأحزاب وأصحاب القرار، رغم كل الزمن)، في أحزاب ديمقراطية، فكيف الحال في حزب يعتبر أنه يحمل رسالة إلهية، من خلال تقديس جان دارك؟ إن سماحي وغيره في حزب الجبهة الوطنية ليسوا سوى بيادق!". ولكنها، سرعان ما تستدرك، وبنوع من الأسى: "المؤسف أن حالة من يوجد في أحزاب سياسية أخرى، ليست أفضل بكثير. ولا يجب على المرء أن يغتر بواجهةٍ اسمُها: "وزيرات فرنسيات من أصول عربية، لا تزال العقبة كأداء".

-------
اقرأ أيضا:
"التهمة كتاب 3".. أخطر 14 عنوانا في المغرب