تحاول الكاتبة والناقدة يمنى العيد منح مؤلَّفها الجديد "زمن المتاهة" (دار الآداب) هويّة السيرة. إلا أنّ هذه الهوية تتنحّى في النصّ غير مرة فاسحة في المجال لأكثر من نوع أدبي، لنكون أمام عمل خليط من التقريرية المألوفة في السِّير، والمتخيّل المميّز للعمل الروائي، فضلًا عن النفحات الشعرية، وبالطبع التسلّح بقلم الناقد الذي جعلته العيد مبضعًا مزّقت به جسد الواقع.
يمتدّ "زمن المتاهة" السردي من السبعينيات إلى ما بعد الثمانينيات من القرن المنصرم. تستحضر فيه العيد المترنّحة بين اسمها الحقيقي واسمها الطارئ، أحداثًا وشخصياتٍ راحلة تركت بصماتِها واضحة على التاريخ اللّبناني، لكنّ تقلباتِ الأوضاع وتبدلات جلود الكثيرين أحالتها على الهامش. لذا تتصدى الناقدة لإعادة إحيائها عبر سجلّ كتابيّ تراه أقلّ ما يمكن تقديمه لأولئك الذين قُتلوا لأنهم كانوا يحلمون بوطن أوسع من زواريب المذاهب والطوائف.
يشكّل "زمن المتاهة" الجزء الثاني من سيرة العيد الذاتية، (الجزء الأوّل بعنوان أرق الروح، دار الآداب، 2013)، وفيه تتردّد أصداء صرخة مدوّية في عتمة الحاضر لما تحمله من تحذير من خطر يداهم هذا الوطن عبر استحضار أخطاء الماضي مؤكّدة أن التاريخ يجب أن يُقرأ بشكل صحيح لتجاوز محنة الحاضر.
تثير العيد في كتابها كثيرًا من القضايا، ولعل انحيازها إلى جنس السيرة، ليس سوى وسيلة ملتوية ومموّهة من خبيرة في النقد استطاعت تقديم جرد نقدي للواقع من خلال خلفية إيديولوجية، طالما أعلنت الكاتبة عن مدى اقتناعها باعتمادها منهجًا للخلاص وتجاوز الأزمات. وعلى رأس هذه القضايا، الحرب الأهليّة وما أفرزتْهُ من انقسامات طائفية ومذهبية ومناطقية حادّة سيطر عليها جوّ من الجهل والكره الأعمى: "لا يعرفون، ويكرهون. يكرهون فلا يعودون يعرفون. إنّهم يدافعون عن الجهل بالعداء".
وكانت ترجمة هذا الاحتقان اغتيالاتٍ للمفكّرين والأدمغة الفكرية، جرّاء خلافات إيديولوجية انتهت بتدخّل القوّة لكتم الأصوات، ومن هؤلاء الشيخ حسين مروة والمفكّر مهدي عامل اللذان قُتلا وهما لم يقتلا أحدًا: "يغيب الأصدقاء. لم تعد الحرب نضالًا. إنها تتمخّض عن جريمة القتلة، ومهدي كان مناضلًا. لم يقتل أحدًا لماذا قتلوه؟". وبما أن المقاومة منذ انطلاقتها شغلت المكانة الأعلى في حياة الكاتبة، فقد أشارت غير مرّة إلى ضرورة إعادة البوصلة الوطنية لمسيرة العمل المقاوم لكي يصعب تطويقه، متحسّرة على انحراف الكتابة، ومنها كتابتها هي بالذات، عن السكّة الأساس، إذ بدلًا من توجيه الكتابة إلى المقاومة صوب العدو الرئيس، كان التخبّط في خضم التمزّق الداخلي والانشغال بصغائر الأمور التي فرضتها الحرب العبثية: "هكذا، وبدل أن تنشغل ذاكرة الكتابة برواية حكايات الاحتلال وجرائمه ومآسيه، استغرقت في الحكاية عن هذه الحرب الأهلية التي يقتل فيها اللبناني اللبنانيَّ، والتي تجري في مساحتها عملية تبادل الأدوار بين القاتل والمقتول أو بين المجرم والضحية. انهار الموقف، وتراجع المنظور البطولي في سرد الحكاية، وتقدّم المشهد، مشهد الدمار".
ورغم سوداوية المشهد قديمًا وحديثًا، إلا أن الكاتبة تصرّ على عدم استسلامها، وعلى أنّ المقاومة يجب أن تكون حاضرة في العمل الكتابي والثقافي من جهة، وأن تكون بالعمل الكتابي والثقافي من جهة ثانية، وبين الـ(في) والـ(باء) تطفو حكاية الحقيقة والمجاز، فما حاولت الحرب وحاول الاحتلال إخفاءه من حقائق، استطاعت الكتابة أن تكشفه وتنتشله من بئر الاختفاء. فحين منع العدو المحتل دفن جثمان أحد فتيان صيدا "نزيه القبرصلي" خوفًا من تحويله إلى نموذج نضالي، أخرجته الكاتبة من العتمة الى النور عبر الحبر والأوراق: "نزيه القبرصلي فتى صيدا يخرج من بيته ويقاوم.. يقاوم ويستشهد. جنود الاحتلال يمنعون تشييعه وأشيّعه. أحمله من نومه القريب من حلمه، وأخرج به إلى الكلام. إلى الكلام المعلن إلى الصحافة".
هل مقدّر علينا التكيّف مع المأساة والموت والدمار لكي نكتب ولا يتوقف الإبداع شأن معظم شعوب العالم؟ هو السؤال الحاضر: "كيف تتحول المآسي مصدرًا للإبداع؟ هل المآسي من ضرورات الفن؟".
بيد أن سؤالًا آخر يطرح: أكانت رؤية الكاتبة ستكون هي نفسها لو كانت تنتمي فكريًّا ومناطقيًّا إلى صفّ الطرف الآخر من الحرب؟ أليس لكلّ طرف في أي نزاع حججه التي تقنعه على الأقلّ؟ لقد حكمت الكاتبة على الواقع من خلفية إيديولوجية يسارية واضحة وحاولت الترفّع عن التعصّب، لكن هذا لا يمنع "الآخر" من أن يكون له وجهة نظر أخرى. سيطرت الأحكام ذات البعد الأيديولوجي الذي تؤمن به الكاتبة منهجًا للخلاص، وهذا ما جعلها تتستّر تحت عباءة السيرة لكي يكون حكمها في مرحلة معينة خاضعًا لمعايير تلك المرحلة، وإن أكّدت أنها رافضة الحرب اليوم، لكنها كانت ضمن خط محارب. لو عادت الأيام لربما تكون في صفوفه الأمامية.