يلسع كنحلة..

07 ابريل 2014   |  آخر تحديث: 05:00 (توقيت القدس)

كلاي في الحلبة في 1970 (Getty)

+ الخط -

خسمون سنة انقضت على المباراة التاريخية التي جمعت بين الملاكم الذي سيحمل، لاحقاً، اسم محمد علي كلاي وسوني ليستون في "ميامي بيتش" يوم 25 فبراير/ شباط 1964، وانتهت بتدشين أسطورة القرن العشرين في الملاكمة، كلاي. شاهد العالم في تلك الليلة ملاكماً شاباً، طويل القامة، لا مثيل لحركته على الحلبة، وتقنياته في اللعب، وكارزميته الشخصية، يصول ويجول، كأنه راقص في طقس أفريقي، على مدار ست جولات، ليتوَّج بعدها ببطولة العالم في الملاكمة للوزن الثقيل.
كانت تلك المباراة الأخيرة التي يخوضها محمد علي باسمه الحقيقي، كاسيوس مرسيلوس كلاي، إذ سيغير اسمه، بعدها بيوم، إلى كاسيوس إكس، ثم بعد أسبوع إلى محمد علي، إثر إعلان إسلامه، وانضمامه إلى جماعة "أمة الإسلام" التي كوَّنها أليجا محمد، وبرز في صفوفها داعية الحقوق المدنية الشهير، مالكوم إكس. ومن يعرف سيرة كلاي يعلم أن مالكوم إكس لعب دوراً مهماً في تطوّر الوعي "الهوياتي" عند الملاكم الشاب الذي كان على موعد مع أقدارٍ، نادراً ما تكون مرصودة لرياضي عادي.
***
دامت مباراة "كلاي" و"ليستون" ست جولات، استسلم بعدها الأخير، والدم يسيل من إحدى عينيه، للملاكم الشاب الذي "يتحرك كفراشة ويلسع كنحلة"، على الرغم من أن ليستون كان مفضلاً عند المراهنين، فلم يكن كلاي، حينها، سوى ملاكم واعد. ومن الطريف ذكره أن القفازات التي خاض بها كلاي تلك المباراة بيعت، لمناسبة ذكراها الخمسين، بأكثر من نصف مليون جنيه استرليني، أما ليستون المهزوم، تلك الليلة الفارقة في تاريخ اللعبة، فقد طلب نزال كلاي في السنة التي تلتها (1965)، وليته لم يفعل، إذ أسقطه محمد علي بالضربة القاضية من الجولة الأولى.
ليس سوني ليستون نكرة في تاريخ الملاكمة، فقد اعتبر، حتى تلك الليلة الليلاء التي سيقابل فيها كلاي، ملاكماً لا يُهزم. كان، حسب كتَّاب سيرة كلاي، ذا سلوك عدواني، مخيفاً، متنمّراً، لا يعرف التراجع ولا يظهر إشارة على الألم كأنه آلة ضرب صماء، وكان على الملاكم الشاب، المتقدم للتحدي على اللقب الأول في الملاكمة، أَن يقوم بـ"حرب نفسية" في الإذاعات والصحف، ليضعضع ثقة خصمه بنفسه قبل النزال، حتى إن كلاي سمَّى سوني ليستون "الدب الكبير القبيح"، فيما قال عن نفسه، بطريقته التي تمزج الجد بالهزل "أنا شاب، وسيم، سريع، ومن غير الممكن أن أُهزم".
 هُزِم سوني ليستون، الذي لا يُهزم، شرَّ هزيمة على يد كلاي في الجولة السادسة، بما يسمى بمصطلحات اللعبة: "الضربة القاضية الفنية"، فلم يستطع أن يرد على الحكم الذي سأله في ما إذا كان قادراً على الاستمرار. وبفضل "اليوتيوب"، العجيب، صار بإمكاننا مشاهدة المباراة،  التي لم يشاهدها كثيرون منا في حينها، لنرى كيف كان "الاسطورة" يطوف الحلبة على نحو دائري، مشرعاً صدره، مطوّحاً يديه بخفَّة في الهواء، منتظراً لحظة شغور في دفاع ليستون، أو سهوٍ، كي ينقضَّ عليه من حيث لا يحتسب. لم تعرف الحلبة ملاكماً يتحرك عليها كراقص قبل كلاي ولا أظن أنها عرفته بعده.
سيكون على كلاي، بطبيعة الحال، أن يكرِّر تلك الصولات والجولات في السنين المقبلة، وأن يوسِّع حلبته لتشمل الحقوق المدنية وحرب فيتنام، وأن يسجن ثلاث سنين في سبيل موقفه، ليصبح اسمه، بعدها، على كل شفة ولسان بسبب اقتران القفازات، لأول مرة في تاريخها، بالموقف الأخلاقي من قضايا العصر.

 

E7B23353-660D-472F-8CF3-11E46785FF04
أمجد ناصر

شاعر وكاتب وصحفي من الأردن