يصنّعون كتّاباً وهميين أيضاً

يصنّعون كتّاباً وهميين أيضاً

14 يوليو 2020
+ الخط -

تجيز بعض الصحافة، العربية خصوصاً، لكتّابٍ منها أو مُستكتبين فيها، أسماءً مستعارةً على مقالاتٍ لهم، وإنْ بحدودٍ، غير أن هذا حالٌ لم يعد ذائعاً كما في سنواتٍ مضت. وقد كان معهوداً، خصوصاً، في زوايا يوميةٍ ذات مشاغل محلية، كثيراً ما تكون موقّعةً باسمٍ مُفرَد، ميسور الحفظ، ما كان يعود إلى أن غير كاتبٍ قد يتناوبون على كتابتها، أو ينوبون عن كاتبها الرئيس في غيابه. وكان يحدُث أن يتخفّى كاتبٌ معروفٌ (بل وشهيرٌ أيضاً) وراء اسمٍ مستعار، نسائيٍّ غالباً، ليمرّر مقاصد لديه، ولا تعرف بحقيقة أمره سوى رئاسة التحرير. وتحتاج مزاولةُ أمرٍ كهذا إلى براعةٍ كافيةٍ، كما فعل محمد التابعي، في مقالاته باسم "الآنسة حكمت"، التي دافعت في الأربعينيات عن حقوق المرأة المصرية. وحدث أن صديقنا وأستاذنا، كاتب المقالة الحاذقة، فخري قعوار، "ضحك" علينا، نحن قرّاء عواميده اليومية في "الرأي" الأردنية، بمقالاتٍ له موقّعة باسم نسائي، نشرها عدة أسابيع في الثمانينيات (سقى الله!). والبادي، في راهن الصحافة الماثلة، مع نفوذ المواقع الإلكترونية والإعلام الرقمي، أن مزاولة هذا اللون من "الحيل" (؟)، المحبّبة في سياقٍ معين، وفي توظيفٍ مناسب، لم تعد ممكنةً، أو أقلّه ليس مؤكّداً أن يتلقّاها القرّاء بالأريحية التي كانت في أزمنةٍ مضت. وها هم مسؤولون في صحافاتٍ مصريةٍ راهنة يتشاطرون، ويكتبون مقالاتٍ سمجة، بأنفاسٍ أمنيةٍ ومخابراتيةٍ غير خافية، تؤلّب على ناشطين ومثقفين، يوقّعونها بأسماء نجوم في الفن، كما يفعل أحدهم مستعيراً اسم رشدي أباظة، تقليداً لبؤس إبراهيم سعدة في "الأخبار" زمن حسني مبارك، في توقيع كتاباتٍ له باسم أنور وجدي.
كل ما سبق، الموجز على أي حال، في موضع، فيما الفعل الشيطاني البالغ الخبث الذي انفضح الأسبوع الماضي في موضعٍ آخر. ليست القصة في أسماء مستعارةٍ لكتّاب معلومين، من لحم ودم، وإنما باختلاق كتّابٍ وهميين، ليس لهم لحمٌ ولا دم. تنكتب المقالات، ثم يتم تخليق أسماء لتُنسب إليها، وتصنيع سيرةٍ مهنيةٍ للأسماء المخترَعة، تعطي "أصحابَها" شهاداتٍ من جامعات عتيدة، وصفات المحللين والخبراء بالعلاقات الدولية وشؤونٍ هنا أو هناك، وتزبيط صور لهم، تُنتشل من المدوّنات وغيرها، أو بناء صور من صور، ثم إنشاء حساباتٍ زائفةٍ لهم في "تويتر" وغيره، وبعد ذلك وفي غضونه، يجري نشر المقالات وترويجها... هذا بالضبط، مع الإيجاز (وكل إيجازٍ مخلٌّ)، ما كشفه تقريرٌ مثير، نشره الأسبوع الماضي موقع "ديلي بيست"، جاء موثّقاً ومكتمل الأبعاد والتفاصيل. أفاد بأن 90 مقال رأي من هذا "النوع" نُسبت إلى 19 "كاتباً وهمياً" نُشرت في عدة صحف ومواقع أميركية وأوروبية وآسيوية، وفي موقع قناة العربية وصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أيضاً. وذلك كله بغرضٍ وحيد، الطخّ على دولة قطر وقناة الجزيرة وتركيا، والتحريض على إيران، مع تعظيم صورةٍ متخيلةٍ لدولة الإمارات، من قبيل الإشادة بدعوتها إلى المساواة بين الجنسين (متى صار هذا؟!)، ومواجهتها الناجحة لفيروس كوفيد 19، وتظهير دبي وأبوظبي نموذجين ناجحَين على غير صعيد. وإلى هذا كله (وغيره كثير)، هاجمت المقالات، البادي أن طبّاخيها أرادوها ذات أنفاسٍ ليبرالية، وضد الإرهاب وداعميه طبعاً، ومناهضةً للأفكار المحافظة، تولّي اليمنية توكل كرمان عضويةً في مجلس حكماء "فيسبوك". 
أما وقد انفضح الطابق كله، فإن السؤال سيتعلق حكماً بأهل القرار الذين طلبوا من صنّاع هذا الفيلم، المثير حقاً، بأن يصنعوه، في مقابل ما لا نعرف من أموال (غير قليلةٍ بداهةً)، ما إذا كانوا قد أفادوا من هذه الممارسة الدعائية العجيبة. ولماذا آثروا هذا المسلك، وهل هكذا تورَد الإبل أصلاً؟ ألم يسمعوا بعد بالقاعدة الذهبية، أن المشّاطة ليس في وسعها أن تزيّن شيئاً في الوجه العكِر؟ أليس يعني تصنيع مقالاتٍ مخترعةٍ لكتّاب لا وجود لهم أن المقالات غير المخترَعة لكتّابٍ حقيقيين، تفتعل عظمة الإمارات، وتشنّع على دولة قطر، وتسترسل عن "مؤامرات" تركيا، لم تنفع في شيء، فكانت الاستعانة بالعمل الشيطاني هذا، لعلّه وعساه يُسعف بالمشتهى المستعصي؟