يزن الهجري: ما زلت أفكّر

29 ديسمبر 2019
الصورة
يمثّل الألبوم الحل الفني للوصول إلى الخلاص (بورتريه ذاتي)

في ألبومه الأخير، "نبي من قزاز"، يسعى الموسيقي السوري يزن الهجري (1985)، عبر ست عشرة مقطوعة، آلية وغنائية، إلى خرق حدود التصنيف الموسيقي، عبر تهجين مدروس بين ما هو شرقي وغربي: نخبوي ورائج.

في ألبومه أنماط موسيقية عديدة، كالإلكترونيك جاز والسوينغ والروك جاز والتانغو ونيو أورليانز جاز، تمتزج بكلمات عربية محكيّة، وأخرى فصيحة، تولي في كلا الحالتين اهتمامًا مضاعفًا لعلاقة اللغة الصوتية باللحن المرافق لها، محققة سلاسة لطيفة، أو تنافرًا دقيقًا، بين صوت المغني واللحن المشرّب به؛ فمن صوت نعس تنويمي في تهويدة الورد، إلى آخر وحشي شاجب في "أخوات القـ * بة".

تتسم أعمال الهجري بالطابع المسرحي، بأسلوب غنائي يخلو من التطريب ويعمد إلى المباعدة بين المغني وذاته، متخذًا من مساحاته الصوتية حيزًا للتجريب، مبتعدًا عن الشخصية الثابتة المقولبة. إلا أن صدور ألبوم "نبي من قزاز"، برؤية مغايرة عن أعماله السابقة، وبنبرة "أكثر جدية"، يطرح كثيراً من التساؤلات.


- إذا اعتبرنا "نبي من قزاز" أول ألبوم رسمي لك، ماذا تستطيع أن تخبرنا عن تجاربك السابقة؟
* سبق "نبي من قزاز" العمل على عدة مشروعات أخرى، لكن ليس وفقًا لشروط الإنتاج ذاتها، إذ عملت سابقاً على مجموعات موسيقية أخرى على ساوند كلاود، أولها كان بعنوان "أنا سوري فخور" ذات الطابع الشرقي، إضافة لعملي على مجموعة جاز وأخرى إلكترونية، إلا أنني أعتبر "نبي من قزاز" أول ألبوم جدي تم توزيعه على تطبيقات تشغيل الموسيقى المعروفة مثل: سبوتفاي، آي تيونز وغيرها. لكن لا شك سبقته العديد من المحاولات والتجارب الهامة التي جعلت هذا العمل، وما سيأتي بعده، ممكنًا.


- تسميه أول ألبوم جدي. هل السبب في ذلك هو نشره على برامج التشغيل الموسيقية في ظل انتشارها؟
* في الحقيقة، لم يكن انتشار الألبوم هو ما يشغلني. كنت سعيدًا لأنني أخوض رحلة التجريب والاستكشاف عبر الموسيقى، وأعمل على شيء جديد لا أعرفه شخصيًا بعد، بمعزل عن التفكير بالصدى المتوقع لما سيحققه الألبوم على هذه المنصات أو غيرها.


- إذن، "نبي من قزاز"، حدثنا عن العنوان أولًا.
* ليس "نبي من قزاز" هو اسم الألبوم فقط، بل عنوان لإحدى أغانيه. كتبت هذه الأغنية في لحظة إشكالية، اجتمع فيها الصدق والوعي. الحقيقة أنني أخذت وقتًا طويلًا في كتابة الأغنية تلك، رغم قصرها، إذ إنها رافقتني منذ أن كنت في بيروت وحتى بعد صولي إلى الولايات المتحدة بعام أو عامين. كانت الصعوبات التي واجهتني خلال كتابة الأغنية بحد ذاتها مؤشرًا إلى إشكالية لا بد من الالتفات إليها الآن، ألا وهي أزمة الهوية.


- كيف أردت لهذه الأغنية أن تتناول مفهوم الهوية؟
* يستطيع من يسمع كلمات الأغنية (أنا السما بالبرواز/ أنا النبي من قزاز)، أن يلحظ ضمير الأنا المتكرر على منوال (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي)، الذي عادةً ما يستخدمه الشاعر المفعم بذاته. كانت تلك التيمة بمثابة بوابة دخلت منها للبحث عن "الأنا" خاصتي، التي بدأت تتوسع في خضم تلك المرحلة، فجاءت الأغنية كضرورة وحاجة، خلصتني من الحساسية التي نشأت عن وجودي ضمن بيئة جديدة بلا ذاكرة أو أصدقاء. عمدت إلى استخدام اللغة العربية كإحدى محددات هويتي، خصوصًا مع وصول ترامب إلى السلطة، وتوجسي، كأي عربي آنذاك، من التحدث بلغته. شعرت أن الظرف يتطلب أن أقول لذاتي من أنا، وأؤكد عليها بإلحاح لا يخلو من التطرف الذي علمت أنه، لا شك، سيحدث توازنًا كنت بحاجة إليه، ويقدم إجابة عن سؤال الهوية إياه. فضلاً عما يحمله العنوان بحد ذاته من تنافر وتناقض شعرته داخلي آنذاك: القوة الإعجازية إلى جانب الهشاشة المفرطة.


- يبدو أن الألبوم، في معظمه، قد اقتبس هذا المنحى، خصوصًا قطعه الآلية، الحنينية، مثل مقطوعة "عين الغريب"، و"المنفى والوطن"، و"بعيدًا عن الجنة".
* نعم، لقد كانت أغاني الألبوم بمثابة الحل الشعري والفني - إن صح القول - للوصول إلى الخلاص والسكينة، إذ وجدت نفسي مدفوعًا للغوص بمعاني الذاكرة والخسارة والحرب بعيد الهجرة وتسجيلها بالطريقة التي أعرفها؛ الموسيقى. أعتقد أنه هنا تكمن خاصية الفنون والموسيقى بشكل خاص، فإلى جانب كونها وسيلة للتعبير عما هو ملح، هي أيضًا وسيلة لفهم الذات والعالم. لذا كان الألبوم ضرورة ذاتية وعلاجية لي قبل أن يكون مادة فنية هدفها الجمهور.


- لمّا كان هذا الألبوم يطرح قضية الهوية بوصفها إشكالية، لماذا قررت صياغته وفق قوالب وآلات غربية، خصوصًا أنك عملت سابقًا على مجموعة شرقية؟
* لم يكن قرارًا مقصودًا. أعتقد أن الفنان لا يفكر في الوسيلة التي يعبر من خلالها، فالفن قبل أن يكون ممارسة واعية هو استجابة فطرية وعفوية للظروف التي يمر بها منتج المادة الفنية؛ أي أن الإبداع يسبق النظرية. أحب أن أغرق في دوامة التعبير ويكون همي أن أظهّر ما أشعر به دون التفكير في أي الآلات أستعمل، سواء غربية أو شرقية.


- ألا ترى أن الألبوم يحمل طابعًا واقعيًا، مغايرًا للشكل الاستعراضي الذي ميز عروضك السابقة مع فرقة "هات لنشوف" في بيروت؟
* انعكست تجاربي الحياتية على أعمالي مع الفرقة، إذ كانت مرحلة مرحة آنذاك، انتهت بقدومي إلى الولايات المتحدة، حيث أدرس الجاز في جامعة وليام بيترسون.


- إذن الألبوم بمثابة سيرة ذاتية عنك.
* لا شك أن الألبوم من نوتته الأولى وحتى الأخيرة يحمل طابعًا شخصيًا بحتًا، أغانيه تحكي عني، أخبّر عن نفسي، عن أهلي، عن الحرب، عن الذاكرة. أظن أن التناول الفردي، باللغة البسيطة الشعبية، هو الأكثر صدقًا في ظل الظروف الكارثية التي عايشناها، إذ إن تسجيل شهادة شخصية وحقيقية كان ضرورة تبتعد عن رواية الأخبار وتقترب إلى الحقيقة. تحدثت عن تجاربي الشخصية، مدركًا أنني عبر حديثي عن نفسي كنت أمثل وأحكي عن الآخر أيضًا. إذا ما فكرنا بالأمر، نجد أن الفن في جوهره حالة ذاتية، وهو ما لا يجب على الفنان أن يخجل من الاعتراف به.


- اخترت اللغة العربية الفصحى في واحدة من أغاني الألبوم. ما السبب؟
* نعم، أغنية "كلمني الليل". اكتشفت أنه كلما سعى الفنان نحو التجديد وجد نفسه يغوص أكثر في جذوره. في هذه الأغنية خصوصًا شعرت أن اللغة الفصحى أكثر جدية وقدرة، هناك شيء ما تعجز اللغة العامية عن إيصاله كما تفعل الفصحى. إضافةً إلى أن الفصحى، وبشكل غريب، تضفي حسًا من المسؤولية على العمل الذي تنتجه، بصفتها لغة جزلة ورصينة.


- هناك تنوع شديد في كلٍ من الأمزجة والموضوعات التي تطرحها أغاني الألبوم. هناك أغان خفيفة مرحة، لحنًا وكلمات، وأخرى بنغمة أشد ميلانكولية، تتحدث عن الحرب والاغتراب والنفي.
* نعم، صممت هذا العمل ليبدو كمعرض فني فيه ست عشرة لوحة مختلفة. هناك قطع آلية ذات طابع حنيني وزاخم على البيانو، كصولو "الأتلانتيك"، وأخرى مغايرة تمامًا في إيقاعها السريع ومزاجها البهيج، كما في أغنية "لو فيي"، ثم نجد مقطوعة "يلي حارب" ذات مزاج حالم يتخذ موقفًا معاديًا للحرب على شاكلة "إيماجين" لجون لينون.


- يرى بعض الفلاسفة، منهم آدورنو، في الاحتجاج عبر الموسيقى ضررًا على القضية السياسية، ينتج عن فشل تلك الموسيقى في تخطي وظيفتها الترفيهية مما يحول الكارثة إلى سلعة قابلة للاستهلاك. ما هو موقفك من هذا القول، خصوصًا مع وجود أغان في ألبومك تشكل امتدادًا مباشرًا وفجًا للخطاب السياسي الذي تتبناه؟
* أعتقد أنه لا قاعدة ثابتة تخط العلاقة بين الموسيقى والسياسة. هناك فرق شاسع بين الفن المسيّس وذلك الذي هو في جذره فعل احتجاجي وسياسي، وربما من دون أن ينطق بكلمة واحدة توحي بنواياه، خذي أعمال شوبان الآلية على سبيل المثال. علينا أيضًا ألا نهمل الفوارق التاريخية بين الحالة الغربية والعربية؛ دعوة شونبيرغ، مثلًا، لفصل السياسة عن الموسيقى، يمكن فهمها ضمن سياقها التاريخي، أما في حالتنا، فربما نحتاج إلى روابط أكثر بين هاتين الاثنتين دون أن تتبنى الموسيقى الخطاب العام والهتاف الواحد، بل تسعى لصون التجربة الفردية والتعبير عنها. في حالتي الشخصية، أعتبر نفسي كاتب أغانٍ بنسبة ثمانين بالمئة، والحرب هي ما اخترت الكتابة عنه.


- لديك حرفة واضحة في كتابة الأغاني. ماذا تستطيع أن تخبرنا عن سيرورة كتابة الأغنية وفقًا لتجربتك؟
* قد تمضي شهور عديدة دون أن أكتب حرفًا. هناك خط رفيع جدًا بين الموهبة والحرفة، أعتقد أنني ما زلت أفكر كيف يمكن إحلال التوافق والانسجام بين هاتين الاثنتين. من ناحية، لا بد من وحي يحفز الفنان، "الميوز" كما عُبّر عنه في الفنون القديمة، إلا أن اجتلاب الوحي هو فن في حد ذاته أيضًا. بعبارة أخرى، تنطوي مراحل تشكيل الفن على ساعات من العمل الشاق أمام اللابتوب أو الورقة، عمل قد لا يتمخض عن شيء في بعض الأحيان، إلا أنه ضروري جدًا، وربما نجده بشكل واضح، وإن مغالى فيه، في المجتمعات التي تقدس قيمة العمل.

دلالات