يزرعون الشقاق في الهوية الجزائرية

11 مارس 2020
الصورة

أمين الزاوي: الفتح العربي الإسلامي شمال أفريقيا استعمار

+ الخط -
هناك من لا يتصوّر نفسه خارج مجال التغطية، وأضواء الكاميرات، وهناك من يقذف القافلة بحجر، من أجل أن ينتبه إلى مشاكساته بعض الرحّالة، وهناك من يرمي البئر التي يشرب منها بحصىً كل يوم، ليحاول ردمها من كثرة ما تناولته يداه، وهناك من يفتعل الزوابع، ليكدّر بها الفضاء العام، فقط ليشار إليه بالبنان، أنه صاحب الفعل المخلّ بالتوافق من النقاش. 
أمين الزاوي، كاتب وروائي جزائري، مشاكس، يعنينا كثيرا ما يأتي به من مقارباتٍ تخوض في الشأن العام، خصوصا ما يكون منها أكثر جرأةً على ثوابت الأمة ووحدتها. وَصَفَ في محاضرة له في 29 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، في مدينة أميزور في منطقة القبائل، الفتح العربي الإسلامي لشمال أفريقيا بالاستعمار... وتقتضي حرية الفضاء المعرفي احترام كل الآراء ومناقشتها، بما يليق بها من ردود جادّة ومؤسسة، ولكن عندما تصبح مكوّنات الأمة ووحدتها على المحكّ، في منطقة جغرافية، تموج بالتربصات الداخلية والخارجية العدوانية، الساعية إلى تفتيت الوطن، وزجّه في أتون حربٍ عرقية، فإن مسألة الهوية هي من أعقد النقاشات، وأكثرها مجلبةً للفتن. وليس الحديث هنا عن الموجبات القانونية التي تنصّ على عدم المساس بالوحدة الوطنية، ولكنها موجبات الاستراتيجية الكلية لبناء الأوطان، والتي تستدعي الاتحاد لا التفرّق. وإذا كان من غير الوارد الحجر على المثقفين والمبدعين، الخوض في مسائل معرفية، فإن التشكيك بالهوية الوطنية في الظرف الحالي الذي تعيشه الجزائر أمرٌ بالغ الخطورة.
يسمّي معظم الناس الوجود العربي الإسلامي في شمال أفريقيا فتحاً، ويسميه آخرون غزوات، 
انتصاراً زعماً منهم للمصطلح العلمي، ولكن المشكلة هي في إصرار نفر من هؤلاء، ومن بينهم أمين الزاوي، على الخوض سلباً، وبشكل متواتر، في الوجود العربي الإسلامي في منطقة المغرب الكبير حصراً، من دون الحديث عن بطش الرومان والوندال، والإسبان والفرنسيين الذين تراكمت جرائمهم على شعوب المنطقة وعلى مر العصور.
لا يكتفي الزاوي بهذا الأمر، فلاحتفائه المبالغ به، عبر رواياته، بالوجود اليهودي في منطقة المغرب الكبير دلالة، لا تخطئها عين، كما أن اقترابه من الشأن الثقافي الإسرائيلي يستدعي تساؤلاً عن حدود هذه العلاقة. ذلك أنه يحاول أن يبرّر للقارئ الضرورات، والمباحات، في ترجمة الأدب الإسرائيلي، إلى العربية. يعزّز كلامه (الأدبي) بأن لمعظم الأنظمة العربية قنوات اتصال دبلوماسية رسمية، أو غير رسمية، مع دولة إسرائيل. في مقال له بعنوان "المحارب يصارع خياله"، نشره الصيف الماضي، يصدح أخيراً بما في صدره، التطبيع مع إسرائيل بحجج ثقافية وأدبية.
وفي دفاعه عن تخليه عن اللغة العربية، قال رداً على سؤال وجهته إليه، في أول محاضرة له، في مسرح وهران، مباشرة بعد عودته من إقامة في فرنسا في أواخر التسعينيات، إن "القارئ العربي الكسول لم يعد يهمّه"، وأن الفرنسية هي اللغة العالمية التي ستحقق له الانتشار والرواج. مضت على هذا الكلام أكثر من عشرين سنة، ولم تلتفت أي جائزة فرنسية كبيرة أو صغيرة لأعماله. ولم يكتف بهذا، فعِشْقُ أمين الزاوي اللغة الفرنسية (الإيديولوجي) جعل منه مُنظِّراً للغات الأخرى، اعتبر التوجّه إلى اللغة الإنكليزية في الجامعات الجزائرية ضرباً من "الشعبوية"، وقال إن لغة شكسبير هي لغة "علم المخابر"، وكأن علم المخابر ينتقص من الإنكليزية، لغة العلم الحالية، ناسياً أن الفرنسية لم تعد قادرةً على تسيير ضواحي باريس، فما بالك بتسيير شؤون العلم، والتقدّم. أما اللغة العربية فهي في نظره مجرد "لغة مساجد وزوايا"، وأن تحريرها من هذا القيد، وفق رأيه، يمرّ لزوماً بالتوجّه نحو العامية.
يحتفي كثيراً أمين الزاوي بالراية التي يقولون عنها إنها رمز للهوية الأمازيغية، والتي يزاحم بها دعاة انفصال منطقة القبائل الراية الوطنية، التي وحّدت الجزائريين. ينسى المنتمون إلى هذا التيار أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون نفسه، قد نهى عن رفع أي رايةٍ أخرى في فرنسا، غير راية الجمهورية الفرنسية، يأتي هذا، في وقتٍ تساند دوائره المخابراتية، راية ضرّة لراية شهداء ثورة التحرير.
في سياق التجزئة يقول المفكر جاكوب كوهين في حوار مع صحيفة الأيام المغربية، نشرته في 27 فبراير/ شباط الماضي، إن "للموساد خطة لتقسيم المغرب والجزائر لدويلات، بنشر الفوضى وزرع بذور الانشقاق على أسس إثنية بين العرب والأمازيغ".
وهناك دعوة أخرى لا تقل طائفيةً عن كل ما سبق، وهو نص مشروع أطلق عليه "ميثاق 
المواطنة"، نشر في صحيفة ليبرتي في 28 أغسطس/ آب 2019. يحتفل كثيراً موقعوه بـ "جزائر حرّة ديموقراطية"، وهو الشعار الذي تحمله القوى اللائكية والعلمانية، في مظاهرات الحراك في شوارع الجزائر، والتي لا ترى في الجزائر إلا امتداداً أوروبياً وفرنسياً بالخصوص، ولا ترى في المقابل في إسلام الجزائر وعروبتها إلا إرثاً فلكلورياً، تحتفي به في الأعياد والمناسبات ليس إلا، وتصوفاً لا يبتعد كثيراً عن أسوار الزوايا، وأسماع المريدين. يكفي أن نجد من بين موقعي الميثاق أديبن معروفين فقط، أمين الزاوي وبوعلام صنصال الذي يدعو جهاراً إلى التطبيع مع إسرائيل، وهو الذي زارها عام 2012، واحتفت به الأوساط الثقافية الإسرائيلية.
يتساءل الإعلامي الجزائري، محمد بوعزارة، عن الغرض من طرح الزاوي الذي يساوي بين الفتح العربي الإسلامي والاستعمار! هل هو طرح بريء أم أن الزاوي يريد الشهرة فقط من خلال ضرب مكوِّن من مكونات هذه الأمة. يقول الزاوي، في رده على بوعزارة، بعد أن أثار كلامه زوبعة كبيرة من الانتقاد: "ليعلم الجميع بأنني لم أكن يوماً ضد الإسلام ديناً، لأنها العقيدة التي تربيت وكبرت فيها ثقافة وإيماناً، في حضن والد إمام، ولم أكن يوماً ضد المسلمين، ما أحاربه هو التطرّف وما حمله الإسلاميون من إيديولوجيا غريبة عن ديننا وثقافتنا".
ينسى المشككون في وحدة الأمة الجزائرية قول عبد الحميد بن باديس (الصنهاجي)، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رداً على رواد الاندماج مع فرنسا الاستعمارية في ثلاثينيات القرن العشرين، إن ما جمعته يد الله لا تفرّقه يد الشيطان.