يحفرون قبورهم بأيديهم في العراق

الصورة
يقال باللهجة العراقية "التاجر من يفلّس يرجع لدفاتره القديمة"، أي أن التاجر حين يخسر ماله يعود إلى سجلاته القديمة، بحثا عن المدينين له، عساه يستعيد ما يعينه على الدنيا. ويبدو أن عملاء الاحتلال في المنطقة الغبراء في بغداد، قد خسروا كل ما لديهم من أدوات وطرق وأساليب، لإنهاء الثورة العراقية، أو الالتفاف عليها، أو إقناعها بحلول ترقيعية، الأمر الذي دعاهم إلى العودة إلى الدفاتر القديمة، والبحث عن طرق وأساليب بعيدة عن الاتهامات الباطلة، وتشويه سمعة الثورة والتشكيك بأهدافها، كونها فشلت فشلا ذريعا. عسى أن يجدوا في هذه الدفاتر ما يعينهم على الخلاص من نار الثورة، والإفلات من قبضة أبنائها. وقد تمثل ذلك في نشر دعاياتٍ كاذبة، ونسج أحداث وهمية، وطمس حقائق وفبركة وقائع وافتعال خلافات وصراعات لا وجود لها، وصولا إلى رسم صورةٍ تبشر بتراجع الثورة، وانكفائها، وانفضاض الأقربين من حولها، ثم استسلامها للأمر الواقع، وقبولها مصطفى الكاظمي رئيسا للحكومة الجديدة، ومبايعته، بانتظار ما يجود على أبنائها الثوار من مكارم. مثل إطلاق سراح بعض المعتقلين أو تحسين ظروفهم الحياتية وأوضاعهم المعاشية. 
من بين الإجراءات التي لجأ إليها هؤلاء الأشرار افتعال انقسام في صفوف الثورة، فصوروا عملية طرد مقتدى الصدر وتياره من ساحات التحرير، وعزل مجاميع الحزب الشيوعي الصغيرة، لمحاولتهم حرف مسيرة الثورة، بأنها انشقاق داخل صفوف الثورة، أدّى إلى التحاقهم بالحكومة وبعمليتها السياسية. وساقوا الدليل على ذلك، بالإشارة إلى الصفقة العلنية التي عقدها مقتدى 
الصدر، باسم قائمة سائرون، مع المليشياوي هادي العامري باسم قائمة الفتح، التي نتج عنها مبايعة مصطفى الكاظمي رئيسا للحكومة العراقية. ومن بينها، فبركة تيار من داخل الثورة أعلن عن ميله إلى التريث، ومنح فرصة للحكومة الجديدة لتحقيق مطالب الثوار، كما لجأ هؤلاء الأشرار إلى قبول الثوار باقتراح الكاظمي، لتشمل هذه الفبركة الإعلان عن تشكيل مجلس شبابي من ساحات التحرير، يشارك الحكومة في إنجاز مشروعها الإصلاحي. ولتمرير هذه الكذبة، أصدرت أطراف من العملية السياسية بياناتٍ تطالب الكاظمي بوقف التعامل مع الإرهابيين، إشارة إلى المجلس الشبابي المزعوم. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه المحاولات بائسة جدا، إلا أننا بحاجة إلى فضحها وتعريتها، تحسبا من إحداث بلبلةٍ في صفوف بسطاء الناس الذين يؤيدون الثورة والثوار. .. ومقتدى الصدر بتياره لم يكن أصلا جزءا من الثورة، أو من الانتفاضات التي سبقتها لكي ينفصل عنها، ولم يخرج من العملية السياسية يوما واحدا حتى يعود إليها، وإنما هو اختص بالتسلل إلى صفوف الثوار لركوب موجة الثورة وحرف مسيرتها، وتقزيم أهدافها لينتهي بها إلى الفشل، وقد نجحت هذه اللعبة مرات. ثم كيف يكون مقتدى مع الثورة التي تطالب بإسقاط العملية السياسية، وهو الذي عاش في ظلها وتنعم بخيراتها، ونال الجاه والسلطة والمال بفضلها، بعد أن كان معدما لا أهمية له سياسيا أو اجتماعيا ولا حتى دينيا، لا قيمة له لا بالعير ولا بالنفير؟ وإذا كانت هناك شكوك حامت بشأن هذه الحقيقة، فإن الإعلان عن انتمائه للعملية السياسية والمليشيات المسلحة بهذه الصراحة والوضوح قد أنهى هذه الشكوك تماما، خصوصا أنه أخذ على عاتقه قتل الثوار، نيابة عن قوات الحكومة، المسماة قوات مكافحة الشغب، وقوات المليشيات المسلحة. بل تباهى مقتدى الصدر بفعلته المشينة هذه، وسماها في مقابلة تلفزيونية على الهواء "جرّة أذن". أما الحزب الشيوعي، فإنه لا يستحق أي جهد لإثبات انتمائه للعملية السياسية منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي للعراق، ودخول أمينه العام آنذاك، حميد مجيد موسى، الملقب حميد طواطة، عضوا في مجلس الحكم الذي أسسه الحاكم المدني للعراق، بول بريمر، بصفته شيعيا لا شيوعيا، ولله في خلقه شؤون. إضافة إلى قبول هذا الحزب بدور السمسار لدى مقتدى الصدر، ومروّج تياره والدخول معه في الانتخابات بقائمة موحدة اسمها سائرون، ما جعل الحزب بموقفه هذا محض مناسبةٍ للتندّر في المجالس الخاصة والعامة.
أما المجلس الشبابي والوفود التي التقت بالكاظمي فقد افتضح أمرها هي الأخرى، كما افتضحت شبيهاتها من المحاولات السابقة التي قام بها رئيسا مجلس النواب محمد الحلبوسي والجمهورية برهم صالح. وليس منسيا أن الحلبوسي استقبل مائة من الثوار وناقش طلباتهم على الهواء مباشرة، وكيف افتضح أمر هؤلاء المائة في اليوم نفسه، كما المحاولة الباهتة لصالح وكانت مفضوحة أكثر من مسرحية الحلبوسي. وقد أصدر الثوار بيانات واضحة، نشرت في ساحات التحرير وعلى موقع الثورة الإلكتروني، كذّبت كل من ادّعى أنه ممثل عن الثورة، أو فاوض باسمها، وقالوا إن دماء الشهداء غير قابلة للتفاوض. وبالتالي، يمكن القول، وبالدليل القاطع، إن هذه المحاولات البائسة لم تضرّ بالثورة كما تخيلوا، وإنما العكس صحيح، حيث قدّمت خدمة جليلة للثورة، فهي أنهت سياسة الدجل والانتهازية لمقتدى الصدر وذيله رائد فهمي بطلي قائمة سائرون، فلم يعد في وسعهما وضع قدم مع الحكومة وقدم أخرى مع الثورة، الأمر الذي دفع الثوار إلى فضحهم وتعريتهم، بعد أن كانوا يغضّون الطرف عن تلك السياسات، ويكتفون بالإشارة إليها حرصا على وحدة الصف، وهو الذي كلف الثورة كثيرا وأخّر مسيرتها.
نعم، شكلت هذه القوى المعنية عبئا ثقيلا على الثورة العراقية، جرّاء خداعها العراقيين، وتصوير انتمائها للعملية السياسية فعلا يدخل في نطاق "المقاومة السياسية" التي لا غنى عنها، كما
 يروجون، لإنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق المشروعة للشعب العراقي!، الأمر الذي ولد إرباكا في الوسط العراقي، بحيث أصبح من الصعب التصدّي لهذه القوى، وفضح مواقفها وكشف الأسباب الحقيقية وراءها. والمصيبة أن هذه القوى لم تسلك هذا الطريق جرّاء قناعات أو استنتاجات خاطئة، حتى يمكن تصحيحها، عبر الحوار، أو من خلال تبصيرها بمخاطر نهجها وسياستها العبثية، وإنما سلكت هذا الطريق لتحقيق أجندة خاصة، ومكاسب فئوية ضيقة. وبالتالي، كان من المفيد جدا أن يفضح هؤلاء الأشرار أنفسهم، وبهذه الصراحة والوضوح.
الأهم من ذلك كله، وضع حد لنهاية هؤلاء الذين يخادعون الناس، ويضحكون على أنفسهم، سيجعل الصراع الدائر على أرض العراق واضحا ومحدّدا بين قوتين، قوى الحق الممثلة بالثورة العراقية، وقوى الباطل الممثلة بالمحتل وعملائه في المنطقة الخضراء. وهذا مهم في مسيرة الصراع، سواء بين أطرافه أو ما يخص أهدافه، بل هو أحد الشروط اللازمة للانتصار. أما الخشية من تأثير هذه المحاولات البائسة على عموم الناس وانعكاساته الضارّة على الثورة، فقد أثبتت الوقائع والأحداث بطلانه، حيث انتشرت نيران الثورة لتشمل مساحات أكبر، ويلتحق الناس بصفوفها أفواجا. ولا مجازفة في القول إن القسم الأعظم من العراقيين المخدوعين بمقتدى الصدر أو الحزب الشيوعي، في هذا الظرف بالذات، سينبذونهم ولن يقبلوا أي تبرير أو تفسير غير المنطق الثوري، فلا طريق لاستعادة الوطن المنهوب غير الثورة.
لا تحتاج هذه الحقيقة لإثباتها الدخول في مناقشات سياسية أو تحليلية، ولا هي بحاجة لنظرية، فهي قد شرحت نفسها بنفسها، من خلال فكرها الذي كتبته وترجمته الدماء الطاهرة الزكية. ولا يفيد أيضا الانزلاق في التفاصيل، وشرح ما هو واضح وجلي بشأن أهدافها، وأهمها إسقاط العملية السياسية برمتها، ولا حول حتمية انتصارها، فالثورة قد ترسخت في عقول العراقيين ووجدانهم، دخلت إلى كل مدينة وبلدة وحي وشارع وبيت. حاضرة في المساجد والكنائس، في المدارس والجامعات، في صفوف العمال والفلاحين، بين الأطباء والمهندسين والمحامين والأدباء والرياضيين والفنانيين، ومن سائر القوميات والمذاهب والأديان. بعبارة مختصرة، أصبحت الثورة كمثل الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ليس هذا كل شيء، فأبناء الثورة اليوم قد أصبحوا على استعداد لدخول معركتهم الفاصلة التي لا 
يقبلون فيها بغير الانتصار، فهؤلاء الأشرار ما زالوا في غيّهم يعمهون، بدل النجاة بجلودهم، ظنا منهم إن الثورة غير قادرة على مواجهة قوتهم العسكرية ومليشياتهم المسلحة. وقد شطب الثوار من ذاكرتهم التفكير بالاستسلام أو التنازل أو انتهاج سياسة فن الممكن، أو مقولات التصرف بالعقل وليس العواطف، أو الخضوع للابتزاز بعدم تجاهل القوة الضاربة للمحتل وللحكومة العميلة، حيث أصبحت كل هذه المفاهيم والمقولات في خبر كان، لأنها تتعاكس مع ثوابت الثورة الوطنية من جهة، وقدرة الشعوب على انتزاع حقوقها مهما بلغ أعداؤها من قوة وبأس، من جهة أخرى. وبالتالي، سيؤدي عدم فهم هذه الحقيقة بهؤلاء الأشرار إلى حفر قبورهم بأيديهم، لأنهم إذا كانوا قادرين على قتل الثوار، فإنهم غير قادرون على قتل الثورة. وليس سرا أن الثورة لم توظف بعد كل ما لديها من مواطن القوة ومن رباط خيلها. وإذا حدث وجاء اليوم الموعود فستضيق بهؤلاء الأشرار أرض العراق، وسيولون الأدبار هاربين طلبا للنجاة بجلودهم، وإن غدا لناظره قريب.

دلالات

تعليق: