يحدث في الخليج

22 ابريل 2020
الصورة
في وقتٍ انصبّت فيه جهود دول العالم على درء خطر فيروس كورونا الذي أجبر الملايين على البقاء في منازلهم، ما يهدّد اقتصاديات الكوكب بأسره، نجد أن بعض دول الخليج، وتحديداً دول حصار قطر، كانت وما زالت تعيش في كوكب آخر، تلعب فيه المناكفات الصبيانية دوراً محورياً. وفي هذا الصدد تبرز المسخرة الكبرى التي نالت حقها في السخرية، ولكن لا بد من الإشارة إليها هنا، وهي المقال الذي نشرته كاتبة إماراتية، واتهمت فيه دولة قطر وإيران والحزب الديمقراطي الأميركي بنشر فيروس كورونا في العالم، عبر دفع ملايين الدولارات لنشره في الصين، ولكنها حاولت التنصّل منه بعد ذلك بالادّعاء بأنه كان مقالاً ساخراً. ويبدو أن العقدة النفسية التي أصابت مسؤولين وحكّاماً خليجيين تجاه تنظيم قطر بطولة كأس العالم 2022 ما زالت مستمرة، حتى في ظل طوفان جائحة كورونا، فها هو الصحافي السعودي، عبد العزيز المريسل، يطالب بسحب تنظيم البطولة من الدوحة، وهي مطالبة تتكرّر للمرة الألف من أمثال هؤلاء، لكنها جاءت هذه المرّة بنكهة مختلفة امتزجت بأزمة كورونا، لتوضح بجلاء أن أمثاله يعيشون في كوكب آخر، وهو ما انعكس في التعليقات والردود على مطالبته البائسة تلك التي وجدت طريقها إلى حساباتٍ سعوديةٍ أخرى، كلها تعمل بالريموت كونترول.
كذلك يبدو أن البؤس والأزمة النفسية قد بلغا مداهما لدى دول الحصار، فقد نشرت قناة العربية تصريحاً على لسان رئيس الاتحاد الدولي السابق لكرة القدم، جوزيف بلاتر، يقترح فيه أن تنظّم الولايات المتحدة المونديال في حالة سحب التنظيم من الدوحة. مثير للشفقة أن تلجأ وسائل إعلام دول الحصار إلى تصريح من بلاتر الذي انتهى تماماً منذ سنوات، ويخضع للمحاكمة حالياً بتهم فساد، ليس من بينها منح تنظيم البطولة لقطر. كما كان للفن دور بارز في تلك الصبيانية، بعدما أطلق المغني الإماراتي، حسين الجسمي، أغنية جديدة عن كورونا! متجاهلاً ذكر دولة قطر فيها.
يمكن كذلك معرفة النموذج الأوضح في طريقة تفكير دول الحصار وتعاملها مع الأزمة بالأدوات القديمة والتفكير العقيم والنظرة المعبّرة عن أزمة نفسية، من خلال نظرة فاحصة إلى حساب أكاديمي إماراتي معروف على موقع تويتر. في بداية انتشار الوباء، جنّد حسابه لمحاولة إثبات أن دولته هي الأفضل في كل شيء، في ما يخص التعامل مع الوباء، لكن هذا الحماس أوقعه في فخاخٍ عديدة، فقد أعلن أكثر من مرة عدم تسجيل إصابات جديدة بالفيروس في الإمارات، ثم عاد واعتذر عن تسرّعه، بعد صدور البيانات الرسمية التي توضح الإصابات الجديدة. وحرص الأكاديمي يومياً على إدراج أعداد الإصابات الجديدة في دول الخليج، عندما كانت قطر تحتلّ المركز الأول في عدد الإصابات، ودعا أكثر من مرة الدوحة، بأسلوب صبياني، إلى الاستفادة مما سمّاها "تجربة الإمارات" في مكافحة الفيروس، وقال إن قلوبه مع "الأشقاء في قطر" وكأن الدوحة تعيش كارثةً إنسانية، وليس انتشاراً لوباءٍ، مثلها في ذلك مثل كل دول الخليج. لتأتي بعد ذلك أعداد الإصابات وتثبت أنها منتشرة في الدول كافة، ليصمت ويتوقف عن ذكر ترتيب دول الخليج في أعداد الإصابات، بعدما لم تعد قطر تحتلّ المركز الأول فيها، وبعدما انتشرت الإصابات داخل الإمارات نفسها.
"استغرب الأكاديمي" أيضاً كيف تحقق قطر المركز الأول في مؤشر الأمن الغذائي على مستوى الخليج "رغم المقاطعة" على حد قوله. ولم ينس في هذا الصدد نشر تصريحات بلاتر عن كأس 
العالم في قطر، ليؤكّد، مرة أخرى، أن الأمر يتجاوز أي خلافاتٍ سياسيةٍ إلى مرحلة العقدة النفسية. كما فقد أعصابه خلال سجال مع صحافي قطري، وقال في لحظة "صراحة" إنه يعتبر أن الماضي كان للدوحة، لكن "الحاضر والمستقبل لنا"، في إشارة واضحة إلى أنه وغيره كانوا ولا يزالون ينظرون إلى قطر باعتبارها النموذج المضاد الذين يريدون التفوّق عليه بأي شكل.
ولم تتوقف الصبيانية عند حد قطر، بل امتدت إلى الكويت، عندما استمرّ هجوم بعض الكتّاب السعوديين عليها، بسبب التعاون بينها وبين قطر في نقل المواطنين الكويتيين من الخارج. وكان الهجوم الأبرز من الكاتب تركي الحمد، الذي كان قد وصف الجهة التي قتلت الكاتب جمال خاشقجي بأنها "دولة مافيا" قبل الاعتراف السعودي بمقتله! لكنه ابتلع لسانه بالطبع، ولم يجرؤ على البوح بحرف بعدها.
وفي إطار المناكفات الإعلامية الصبيانية الأخرى، قطعت قناة سكاي نيوز عربية، التي تبث من أبوظبي، البثّ عن بث مباشر للمدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية التابع لمنظمة الصحة العالمية مايكل ريان، عندما وجدته يشيد بالإجراءات التركية لمكافحة كورونا، ويؤكد أن لديها تاريخاً طويلاً في إدارة الكوارث، وأن هناك دروساً كثيرة يمكن تعلّمها منها.
أما قناة العربية وتوابعها في السعودية، فقد أقامت الدنيا بناءً على خبر كاذب، يزعم استيلاء تركيا على أجهزة تنفس صناعي، كانت في طريقها إلى إسبانيا. كما زعمت وسائل الإعلام تلك أن الشحنة كانت قادمة من الصين. ثم اتضح أن الأمر غير صحيح، وأن الشحنة كانت تصنع في تركيا، وأن الأخيرة منعت تصديرها في البداية، لأنها كانت قد أصدرت أمراً بحظر تصدير المعدّات الطبية إلى الخارج، نظراً لاحتمال أن تحتاجها فيما بعد، قبل أن تفرج عنها بعد ذلك. وقدمت وزيرة الخارجية الإسبانية الشكر لتركيا على إفراجها عن الشحنة، تقديراً للظروف الصعبة التي تعيشها إسبانيا مع الوباء.
المفارقة أن واحدة من وسائل الإعلام التي نشرت الخبر الكاذب هو موقع إندبندنت عربية، وهو النسخة العربية من الصحيفة البريطانية العريقة. ولكن الموقع كرّر تجربة قناة سكاي نيوز عربية التي كان من المفترض أن تمثّل نسخة عربية من شبكة سكاي نيوز العالمية، لكنها أصبحت لسان حال أبوظبي، ولا فرق بينها وبين وسائل الإعلام المحلية الإماراتية في الكذب والتلفيق والتحريض، وهو ما يكشف عن فشل ظاهرة تعريب المنصات والمؤسسات الإعلامية العالمية، إذ تصبح مجرّد نسخة رديئة مليئة بالأمراض والكوارث الإعلامية، ولا تختلف قيد أنملة عن الإعلام الحكومي في الدول الاستبدادية العربية.
أما السياسة الدولية، فقد أخذت نصيبها من المغامرات الصبيانية، فبعد استعداء عدة دول، مثل كندا وتركيا، ها هو ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، يستعدي روسيا أيضاً، عبر زيادة إنتاج
 النفط، بطريقة هوت بالأسعار إلى أدنى مستوياتها، وأضرّت حتى باقتصاد المملكة نفسه، الذي يعتمد على تصدير النفط، على الرغم من أن دول العالم تبحث عن أي وسيلة لتخفيض نفقاتها وزيادة مواردها للتعامل مع أزمة كورونا، ولكن بن سلمان يبدو أنه لم يجد غضاضة في خسارة المليارات، من أجل إرضاء نزعاته المغامرة. وقد أدّت هذه المغامرة إلى غضب أميركي واسع، خصوصاً من نواب الكونغرس، نظراً إلى الضرر الذي تعرّضت له شركات صناعة النفط الصخري الأميركية. ووجه أعضاء في الكونغرس رسائل شديدة اللهجة إلى المسؤولين السعوديين بسبب هذا الأمر، ومعظمهم كانوا من المتحمّسين للعلاقات الأميركية السعودية. ووصف السيناتور الجمهوري، دان سوليفان، ما فعلته الرياض بأنه "لن يغتفر". وطرح أعضاء آخرون مشروع قانون لسحب القوات الأميركية من المملكة. ويبدو أن هذه التهديدات أجبرت ولي العهد على التراجع عن قراره والاتفاق على خفض الإنتاج مرة أخرى، لتعود السياسة السعودية إلى العقلانية، لكن عقلانية ستكون مؤقتة إلى حين تفجير أزمة أخرى مقبلة، بسبب استمرار العقليات الصبيانية نفسها التي تدير الأمور.