ياسين إبراهيم ياسين: وزير دفاع من خارج الاستقطابات السودانية

02 يونيو 2020
الصورة
يواجه الوزير الجديد تحدي ضبط الجماعات المسلحة(وكالة الأنباء السودانية)
تنتظر اللواء المتقاعد ياسين إبراهيم ياسين، الذي تم تعيينه وزيراً جديداً للدفاع في السودان في مايو/أيار الماضي وأدى اليمين الدستورية، اليوم الثلاثاء، ملفات أمنية وعسكرية معقدة، تبدأ بالترتيبات الأمنية وهيكلة القوات المسلحة، ولا تنتهي بالتوترات على الحدود والنزاعات القبلية على أطراف البلاد. وعيّن اللواء ياسين في المنصب الوزاري، بعد نحو شهرين من وفاة الفريق جمال الدين عمر، على هامش مشاركته في عملية التفاوض مع المتمردين في جوبا تحت رعاية حكومة جنوب السودان.

وأثار تأخر تعيين وزير دفاع جديد حتى 13 مايو/أيار الماضي عندما تمت تسمية ياسين إبراهيم ياسين للمنصب، شكوكاً حول عدم توافق المكوّن العسكري في مجلس السيادة الانتقالي، على اسم متفق عليه. وأشارت تقارير يومها إلى تنازع حول المنصب بين فريق رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، وفريق نائبه في المجلس محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لكنهما توافقا في نهاية المطاف على شخصية ليست محسوبة على أي طرف، بل تقاعدت من الخدمة العسكرية قبل 8 سنوات، فكان الخيار اللواء المتقاعد ياسين إبراهيم ياسين. وينفي مقربون من اللواء ياسين، أي ميول سياسية له، وهو ما شجع على اختياره مع حالة الاستقطاب الحادة في السودان.


ولمنصب وزير الدفاع في السودان أهمية خاصة، فاثنان من وزراء الدفاع انحازا إلى ثورتين شعبيتين، الأول هو الفريق أول عبد الرحمن محمد الحسن سوار الذهب الذي انحاز للثورة ضد الرئيس الأسبق جعفر نميري في العام 1985 وأطاحه ممهداً لدورة ديمقراطية جديدة في السودان. وفي العام الماضي انحاز وزير الدفاع الفريق أول عوض بن عوف للثورة ضد عمر البشير وأطاح النظام القديم على الرغم من أن بن عوف نفسه اعتُبر من أركان نظام البشير وأُطيح بعد يوم واحد من استلامه السلطة.
كما أن بعض القادة والرؤساء، آثروا تاريخياً الإمساك بزمام وزارة الدفاع جنباً إلى جنب مع منصب رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، حسب نظام الحكم، وهو ما فعله نميري والبشير في سنوات حكمهما الأولى، وكذلك رئيس الوزراء في عهد الديمقراطية الثالثة 1986 الصادق المهدي الذي جمع بين منصبه رئيساً للوزراء ومنصب وزير الدفاع.

ويتحدر وزير الدفاع الجديد من مدينة أم روابة، غرب السودان، وهو من ضمن الدفعة 29 كلية حربية، ومن اللافت أنه أقدم من حيث الدفعة من البرهان، ومن رئيس هيئة الأركان الفريق أول محمد عثمان الحسين. بعد تخرجه من الكلية الحربية، عمل ياسين في عدد من الوحدات والمناطق العسكرية، منها ضابط مشاة في القيادة العامة، ومدرس في كلية القادة والأركان، والأكاديمية العسكرية، والفرقة الثالثة في مدينة الفاشر غرب البلاد، وكذلك منطقة المجلد العسكرية ومناطق غرب النوير وبابنوسة، كما عمل في وزارة الدفاع ومديراً لإدارة فرع الرياضة العسكري، وبعد تقاعده عمل موجهاً في الأكاديمية العسكرية.

ووجد اختياره للمنصب احتفاء خاصاً، فلأول مرة منذ عقود طويلة يخرج المنصب عن الهيمنة المناطقية لشمال السودان، إذ ظل طوال سنوات حكم البشير حكراً على مناطق محددة في ولاية نهر النيل والولاية الشمالية. ومن الذين رحبوا بهذا المتغير، المتحدث السابق باسم الجيش السوداني، الفريق محمد بشير سليمان، الذي كتب مقالاً وجد رواجاً في وسائط التواصل الاجتماعي، رجح فيه أن يكون تعيين اللواء ياسين إبراهيم ياسين المشهود له بالنضج والهدوء والكفاءة من خارج مناطق التعيين السابقة، رغبة في الخروج من نهج الجهوية والقبلية، وتصحيحاً لأخطاء الماضي، ومطلباً من مطالب الدولة القومية.


من جهته، رأى الخبير الأمني أمين مجذوب، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الوزير الجديد يمتاز بالعمل المؤسسي ويميل للتخطيط والقيادة الجماعية، مشيراً إلى أن عليه تحقيق تناغم كامل بين المجلس السيادي ورئاسة هيئة أركان القوات وكذلك التنسيق بين القوات المسلحة ومجلس الوزراء.
وأوضح مجذوب أن اللواء ياسين سيواجه خلال الفترة المقبلة جملة من التحديات الأمنية، منها التعامل مع مفاوضات السلام مع المتمردين وما يمكن أن تفضي إليه من اتفاق حول الترتيبات الأمنية التي تشمل وقفاً لإطلاق النار، وبناء جيش قومي جديد بعد هيكلة القوات المسلحة، مبيناً أن أول مهمة للوزير الجديد هي المشاركة في مفاوضات جوبا مع الحركات المسلحة وسيكون ذلك الاختبار الأول له. وأشار إلى أن التحدي الثاني يتمثل في الصراعات القبلية والتفلتات الأمنية في مدن عدة مثل بورتسوان والجنينة ونيالا وكادوقلي، وأخيراً كسلا، لافتاً إلى أن بعض تلك الاشتباكات القبلية استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة ما يجعلها بمرتبة الصراع المسلح.

وأوضح مجذوب أن وزير الدفاع الجديد سيواجه تحدي التعاون العسكري الإقليمي ومتابعة الاتفاقيات الخاصة في هذا الخصوص مثل ملف المشاركة السودانية في حرب اليمن، والتعاون مع مصر، إضافة إلى التعاون الأمني مع جنوب السودان حيث على الجيش السوداني بموجب اتفاق السلام مع الجنوب تأهيل وتدريب جيش جنوب السودان وحراسة مناطق إنتاج النفط في الجنوب. كما يواجه الوزير تحدي التطورات الحدودية مع إثيوبيا في منطقتي الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى، ونشاط عصابات الشفتة الإثيوبية على الحدود، متوقعاً أن ينجح الوزير في حال نظر إلى الأزمات بشكل أعمق واستعان بفريق من الخبراء والمختصين، وحدد خططاً لإدارة الطوارئ للتعامل مع كل أزمة لوحدها.

من جهته، قال الخبير العسكري الفريق خليل محمد صادق، لـ"العربي الجديد"، إن وزير الدفاع الجديد مطلوب منه التعاطي بإيجابية مع حالة "السيولة الأمنية" في البلاد ووجود العديد من القوات، مشيراً إلى أن الوزير عليه التنسيق بصورة خاصة مع قوات الدعم السريع ومن ثم النظر بالتعامل مع موضوع هيكلة القوات المسلحة بتجلياته السياسية. ولفت إلى مهمة أخرى تنتظر وزير الدفاع هي إدارة النزاع الحدودي مع مصر حول منطقتي حلايب وشلاتين، وهو ملف أمني بالدرجة الأولى لكنه ربما يحتاج إلى توافق سياسي بين البلدين ينهي هذا النزاع.
وأشار صادق إلى أن صلاحيات وزير الدفاع قُلّصت إلى حد كبير بعد العودة إلى نظام منصب القائد العام للقوات المسلحة ورئاسة هيئة الأركان الموحدة، وبات منصب الوزير بوضعيته الحالية متاحاً حتى لتعيين شخصية مدنية كما حدث في فترات سابقة. وحول مدى استبعاد فرضية حدوث انقلاب عسكري ودور وزير الدفاع في هذه الحالة، استبعد الفرضية من أساسها، معتبراً أنه في ظل الظروف الحالية لن تتجرأ أي جهة على أي انقلاب عسكري. وأكد أن كل نجاحات الوزير معلقة فقط على تحقيق السلام مع الحركات المسلحة، لكن إذا انهارت الهدنة الحالية وعادت البلاد إلى مربع الحرب فتلك حسابات مختلفة تماماً.

أما الصحافي المهتم بالشؤون العسكرية، محمد عبد العزيز، فرأى في حديث لـ"العربي الجديد" أن اختيار وزير الدفاع الجديد تم بعناية شديدة من قِبل البرهان، وبصورة مفاجئة من خارج دائرة التوقعات، لافتاً إلى أن اختياره في الأساس إلى جانب مؤهلاته الأكاديمية وخبراته العسكرية، جاء لاعتبارات عدة أبرزها ضمان عدم خروج الجيش عن سيطرة البرهان ومحاولة إحداث قدر من التوازن والتناغم مع بقية التشكيلات العسكرية لا سيما في مرحلة ما بعد السلام ودمج مقاتلي الحركات المسلحة.

وأوضح عبد العزيز أن وزير الدفاع الجديد يواجه تحديات كثيرة، أبرزها تعقيدات الفترة الانتقالية الحالية والنظرة الشمولية لمعالجة القضايا المختلفة فضلاً عن تعقيدات مفاوضات السلام وترتيباتها، إلى جانب ضرورة الانسجام بين مثلث الحكم الحالي (عسكري وتنفيذي وقوى الحرية والتغيير)، ومراعاة التعقيدات داخل المؤسسة العسكرية المختلفة على المستويين الأفقي (وحدات عسكرية) والرأسي (التراتبية العسكرية).

تعليق: