... ويظل المشروع الوطني المخرج المنقذ

08 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
استفادت الأيديولوجية الإسلامية، إلى حدٍ كبير، من الإخفاقات والكوارث التي تسببت فيها الأيديولوجية القومية في صيغتيها البعثية والناصرية، خصوصاً في المرحلة التي تلت يونيو/ حزيران 1967، وفي الفترة التي أعقبت حرب تحرير الكويت في فبراير/ شباط عام 1991. كما استفادت من انهيار الاتحاد السوفييتي، ومن التلاشي شبه التام لفاعلية الأيديولوجية الاشتراكية في المجتمعات العربية، فتقدم دعاتها، بتدريجاتهم وألوانهم المختلفة، للإعلان عن صوابية خياراتهم وتوجهاتهم. والجدير بالذكر هنا أن الثورة الخمينية في إيران في 1979 كانت قد أعطت الأمل لحركات إسلامية كثيرة بإمكانية الوصول إلى الحكم؛ بل بدأ بعضها بالانفتاح على النظام المعني، ونسج العلاقات معه؛ وتفاعلت إيجابياً مع خطط حصر ملف المقاومة في لبنان بحزب الله.
وجاءت ثورات الربيع العربي التي كانت نتيجة تراكمات عقود من الاستبداد والفساد في دول عربية عديدة، وجسّدت معاناة أوسع القطاعات الشعبية وغضبها. وفي ظل ضعف التنظيمات التي كانت تتبنّى الأيديولوجيات المنافسة، سيما القومية والاشتراكية، وحتى الليبرالية، ونتيجة غياب فكرة المشروع الوطني القادر على طمأنة الجميع، وإفساح المجال أمام الجميع للمساهمة والمشاركة والاستفادة. نتيجة ذلك وغيره، انتعشت حركات الإسلام السياسي بأسمائها وتوجهاتها المتباينة من جهة التشدّد، وتمكّنت من استغلال قدراتها في مجالات التنظيم والتواصل، بفضل شبكةٍ واسعةٍ من الجمعيات الخيرية، والنشاطات الدعوية، هذا إضافة إلى عدم معاناتها من
 صعوباتٍ ماديةٍ، كان من شأنها منعها من التحرّك، وذلك مقارنة بالقوى السياسية الأخرى التي كانت منهكةً نتيجة الانقسامات، وهزالة القاعدة الشعبية، وندرة إن لم نقل انعدام الموارد المالية.
لقد تمكّنت الحركات الإسلامية، بفعل العوامل المذكورة من الانتشار بين صفوف الثائرين المطالبين بتغيير الأنظمة، واستطاعت التحكّم بالمفاصل الأساسية في مختلف المظاهرات والفعاليات الاحتجاجية.
ومع تطور الأحداث، خصوصاً بعد هروب الرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، في 14 يناير/ كانون الثاني 2011، والإعلان عن تنحي الرئيس المصري حسني مبارك في 11 فبراير/ شباط 2011؛ بدأت الحركات المعنية، لا سيما جماعة الإخوان المسلمين في مصر، تعد العدة لاستلام الحكم، متكئة في ذلك على نتائج الانتخابات البرلمانية التي غالباً لا تعكس الاتجاهات والميول السياسية في المجتمع بصورة واقعية في مراحل عدم الاستقرار، وتحت ضغط المخاوف متعدّدة الأسباب. وبناء على تلك النتائج، تجاوزت الجماعة المعنية هنا كل الوعود التي كانت قد أعلنت أنها ستلتزم بها. ويشار هنا تحديداً إلى موضوع رئاسة الجمهورية؛ هذا إلى جانب تنصّلها من تأكيداتها السابقة التي كانت تنصّ على أنها ستكون جزءاً من المشروع الوطني، تلتزم بحدوده، وتعمل وفق قواعده ومحدّداته التي تستوجب طمأنة سائر المكونات المجتمعية، ومختلف التوجهات السياسية والفكرية.
أما في سورية، فقد كانت جماعة الإخوان المسلمين، منذ البداية، في دائرة الحدث والقرار إذا صحّ التعبير مع القوى الوطنية السورية الأخرى. وكانت هناك حالة من التفاعل بين أعضائها والقوى والشخصيات السياسية والأكاديمية التي تصدّرت المشهد في بدايات الثورة. وما ساعد على ذلك هو تراث من العمل الوطني في مرحلة ما قبل حكم حزب البعث في 1963، وانضمام "الإخوان" إلى إعلان دمشق في 2005، ومشاركتهم في مختلف الحوارات التي كانت بين أطرافٍ من المعارضة السورية في الخارج في بدايات الألفية الثالثة. وكان هناك 
تصميم من مختلف الأطراف على التمسّك بالمشروع الوطني السوري الذي يكون بجميع القوى السياسية والمجتمعة السورية، وجماعة الإخوان المسلمين ضمنا بطبيعة الحال.
ولكن ما حدث لاحقاً أن الجماعة بدأت تتحرّك لحسابها، تشكل التنظيمات العسكرية من دون موافقة المجلس الوطني، بل ومن دون اطلاعه على ما كان يجري. ومع بداية ظهور الجماعات الإسلامية المتطرّفة التي تدور حولها شبهات كثيرة، وتثير تساؤلات كثيرة، لم تتخذ جماعة الإخوان المسلمين موقفاً واضحاً رافضاً لها، فلم ترفض مشروع "الدولة الإسلامية في العراق وسورية" منذ البداية، واستمرّت على هذا الموقف في مرحلة الانفصال بين تنظيم داعش وجبهة النصرة، الأمر الذي أعطى انطباعاً مفاده بأن هناك رغبةً في الاستفادة من جهود تلك الجماعات، واستثمارها سياسياً، والاستقواء بها في مواجهة المنافسين المحتملين، هذا إذا تجاوزنا موضوع التنسيق بين الجماعة وبعض القوى الإقليمية في هذا المجال. وقد أدى هذا الموقف إلى تأخر كل من المجلس الوطني السوري وائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية في اتخاذ موقف واضح من التنظيميْن المشار إليهما، على الرغم من مطالباتٍ كثيرة كانت من أجل إصدار مواقف حاسمة صريحة، تؤكد رفض هيئات الثورة والمعارضة بصورة رسمية طروحات وممارسات كل من "داعش" وجبهة النصرة؛ وذلك لتناقضها المبين مع موجبات المشروع الوطني السوري الذي ما زلنا نرى أنه الحل في سورية. وهو مشروعٌ لا بد أن يطمئن كل السوريين من دون أي استثناء، ويكون بكل السوريين ولكل السوريين، وذلك قبل أن يكون هدفه طمأنة المجتمع الدولي، أو الجوار الإقليمي، فالاستقرار السوري الداخلي المبني على العدل سيكون في مصلحة الجميع، داخل سورية وخارجها.
وما ترتب على ما تقدّم تمثل في جملةٍ من الإخفاقات والانتهاكات التي تتحمّل مختلف تيارات الإسلام السياسي، خصوصا المتشدّدة منها وزر قسطها الأكبر، فقد سيطرت تلك التنظيمات الاسلامية على مساحاتٍ واسعةٍ من المناطق المحرّرة، ومارست فيها أبشع أساليب القمع بحق المعارضين الفعليين للنظام. كما تدخلت في تفصيلات الحياة اليومية للناس وهيمنت على الأرزاق، وتحكّمت بالموارد، وأسّست لخطابٍ طائفيٍّ ثأري بغيض مقيت، تكامل مع خطاب الطرف الآخر المذهبي الانتقامي. ولّد ذلك ردود أفعال سلبية كبرى بين الأوساط الشعبية تجاه مجمل حركات الإسلام السياسي، وهذا ما أدّى إلى تصاعد حملات النقد التي تجاوزت أساليب المجاملة، والرغبة في التعايش معها ضمن حدود الإمكان، فقد تبين للناس أن الموضوع، في نهاية المطاف، هو الصراع على السلطة، واستقطاب الأنصار عبر استخدام الدين أداة 
أيديولوجية سياسية.
وما نراه في هذا السياق أن الإسلام السياسي سيكون مادّة لمزيد من النقد والتحليل في المستقبل المنظور، وسيفقد هالة القداسة التي كان يلتحف بها، بل تصدّعت هذه الهالة نتيجة الممارسات العنيفة القروسيطة التي أقدمت عليها الجماعات المسلحة المتطرفة، المحسوبة على الإسلام السياسي.
.. تحتاج منطقتنا مشاريع وطنية حقيقية، يجد الجميع مكانهم ومستقبلهم فيها. وسورية لا تتحمّل التعصب الديني أو القومي أو الأيديولوجي، فنحن إذا أخذنا بالاعتبار طبيعة مجتمعنا، والحدود التي فرضت علينا، وماهية التفاعلات والمعادلات الإقليمية والدولية في منطقتنا، هذا إلى جانب أهمية الاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى؛ إذا فعلنا ذلك كله، سنجد أنفسنا ملزمين بالبحث عن القواعد التي تحسّن ظروف العيش المشترك بين سائر مكوّناتنا المجتمعية من دينية ومذهبية وقومية، ومن دون أي استثناء. وما نأمله أن نكون قد استفدنا من التجارب القاسية التي مررنا بها، حتى لا تذهب التضحيات الكبرى سدى، ولا تصطدم التطلعات بجدران المستحيل العدمي.