ولاء الفن للنظام في مصر
عمرو واكد ودارين حمزة في "أهل إسكندرية" الممنوع (مارس/2014/أ.ف.ب)
عُرفت مصر، على مرّ عقود، بأنّها قِبلة الفن الشرقي، فهي لم تحتضن مبدعيها فحسب، وإنّما كانت الوجهة الأولى لعدد كبير ممن ابتغوا النجاح فنياً، فقصدتها مواهب من الشام والخليج والمغرب العربي، تم صقلها وذاع صيتها. وفي ذلك تأكيد على أنّه لا وطن للنجومية، وإنّما بإمكانها أن تبزغ في حيز مكاني معيّن، وتسطع في آخر. وأكثر ما ميّز الحقب الفنية المتعاقبة في مصر ذيوع التسمية العامة لأولئك الفنانين بالنجوم العرب، والأعمال الفنية بأنها عربية، تعبيراً عن كل ما ينتمي إلى مصر من إبداع ومبدعين.
ما يفعله نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي، الآن، يذهب إلى أبعد مما جرّبته الأنظمة العسكرية السابقة من تجييش للفن، وجعله في خدمة النظام لتحقيق أهدافه. ودلالات ذلك، طبيعة الأوضاع التي دفعت إلى تدخل النظام، لإقصاء بعضهم وتقريب الآخر، على أساس الموالاة. ثم إيجاد نوع خاص من الاهتمام بالفن، يصل إلى حد التحالف، وطيّ الإبداع تحت جناح السلطة، وهذا من شأنه أن يصنع ما يمكن تسميته الفن المخابراتي الذي يحشد ويعبئ ويوصل الرسالة إلى الجمهور، نيابة عن السلطة.
وكحال كل النظم العسكرية، فإنّها تعمل على تهيئة المسرح السياسي والفني لعلاقة أبوية بين الجنرال والفنانين، وتبدأ بالفعل آليات هذه العلاقة تترى قُدُماً، بالتماهي الكامل بينهما، فالفنان الذي يعبّر عن رأيه في سياسات الجنرال يكون قد أساء إلى الوطن والشعب. وتعطي هذه العلاقة الأبوية الجنرال الأب حق القسوة على أبنائه من الوسط الفني، بالاعتقال والتعذيب والإهانة، وفي حالات أخرى، تقوم أجهزته ومناصروه بأي فعل نيابة عنه.
وإذا كانت الرقابة على الأعمال الفنية، قبل نظام السيسي، تجيء وفقاً لمعايير أخلاقية واجتماعية، مما يمثل عند بعضهم نوعاً من التنظيم، وعند آخر حجراً على حرية التعبير، فإنّ التدخل الجاري الآن يشيع صورة أخرى للحظر والمنع والتسلط. فاقت هذه الحالة سنوات حكم جمال عبد الناصر، والذي أصبح قيّماً بنفسه على الأعمال الفنية، لضرورة مجيئها تحت شعار الاشتراكية والقومية العربية، وخادمة لهذه الأيديولوجية في تضليل للرأي العام والذائقة الفنية.
وفي عهد حسني مبارك، لم يكن حظر الأعمال الفنية ومنعها جوهر العلاقة بين الدولة والفن، لا لأنّ الفنانين كانوا يتمتعون بالحرية، ولكن، لأنّ الأمر كان أعقد من المنع والحظر بكثير، فقد قامت السلطة بتلميع أغلب الفنانين وتبنيهم، حتى تراءت مرحلته بسراب أنّها أخفّ ظلماً من العهود السابقة.
لم يضق صدر مصر قبل هذا الأوان بفنانين اختاروها وطناً ثانياً، ولم يتم تصنيفهم بسبب آرائهم السياسية، مثلما حدث للفنانة التونسية، هند صبري، لأنّها شاركت مصر ثورتها في 25 يناير. ولم نسمع من قبل عن أي نوع من الإساءات تُطلق في حق فنان عربي شارك في أعمال مصرية نالت إعجاب الجمهور، لأنّه هذه المرة جسّد دور جمال عبد الناصر. ويتكشف في حالة الفنان السوري، جمال سليمان، أنّ الفورة الإعلامية المنظمة تجاهه لا تنحصر في النقد الفني، وإنّما تتعداه إلى تقديس الشخص قبل الدور.
لم تتوقف الحملة ضد الفنانين غير المصريين، والذين لم تكن مصر تسميهم من قبل بأصولهم، إلى أن وصلت إلى تصنيف فنانين مصريين على أساس سياسي. فقد تم توجيه حملة ضارية ضد الفنان عمرو واكد، إلى درجة التشكيك في وطنيته، بسبب تأكيده على الحفاظ على مكتسبات ثورة 25 يناير، وقوله إنّ شعبية السيسي وهم، وخسارته هي الحقيقة الوحيدة. ثم منع مسلسل "أهل إسكندرية"، والذي يؤدي بطولته واكد في دور شرطي، ويتعرض المسلسل لانتهاكات رجال الشرطة قبل ثورة 25 يناير. ويمثل هذا المنع الذي تم بناءً على ضغوط أمنية نكسة في مكتسبات الثورة، خصوصاً أنّه يناقش القضية نفسها التي كانت بمثابة شرارة أوقدت الثورة، مما يعيد إلى الأذهان حادثة خالد سعيد، وما يعطي هذا العمل الدرامي جناحين يحلقان به، ويكشفان انتهاكات جديدة، تمت بعد انقلاب 3 يوليو، أُطلقت فيها يد الشرطة والجيش.
مع نمو قطاع فني خاضع لسيطرة العسكر، أصبح في حكم الواقع وجود فن سياسي، يرّوج الولاء للنظام معياراً للولاء للوطن، ويتجسد ذلك في تخوين كل معارض، وإخراجه من الملة الوطنية، والمطالبة بسحب جنسيته، أو طرده من مصر. وهذا من شأنه أن يؤسس لعنصرية فنية، قد ينحدر فيها الإبداع بأشكاله كافة... والحبل على الجرّار.