وكالة الغوري: من مركز تجاري إلى سوق إبداعي

29 مايو 2015
"التنورة للفنون التراثية" تقدم عروضها أسبوعياً (محمد الشاهد/فرانس برس)
+ الخط -

شاء القدر أن تكون "وكالة الغوري" واحدة من الآثار الإسلامية القليلة التي تم إنقاذها واستثمارها بأفضل صورة في وقت واحد، فقد أصبحت الوكالة منذ سنة 2005، وبعد خمس سنوات كاملة من أعمال الترميم والصيانة؛ واحدة من أهم المراكز الثقافية في منطقة القاهرة الإسلامية، وذلك لكونها أثراً معمارياً سياحياً مميزاً، ثمّ لثراء جدول الأنشطة الإبداعية المتنوعة التي تقام بداخله بصورة دائمة.
تنسب الوكالة إلى "قانصوه الغوري"، آخر سلاطين المماليك، والذي حكم مصر منذ سنة 1501ميلادية حتى قتل مع دخول العثمانيين مصر سنة 1516ميلادية. وقد بناها سنة (1510م/951هـ) وكانت تسمى "وكالة النخلة". وهي مسجلة في عداد الآثار الإسلامية والقبطية تحت رقم 64 حيث تعد من النماذج القليلة المكتملة بالنسبة للوكالات التجارية الأثرية.
تعددت إنشاءات السلطان الغوري المعمارية المتجاورة، مثل: المسجد، والخانقاه، والسبيل، والكتّاب، والمدرسة، وهي تقع في تقاطع شارع المعز لدين الله الفاطمي مع شارع الأزهر، وتسمى المنطقة باسم حيّ "الغورية". والطراز المعماري العام للمنطقة طراز أثري، حيث تشاهد المباني القديمة ذات المشربيات الأرابيسك، والجدران المبنية بالحجارة العتيقة والمزخرفة أحياناً بنقوش أثرية.
اشتهرت منطقة "الغورية" بأنها حي شعبي تجاري مزدحم؛ تكثر فيه الأزقة الضيقة والمدقات. وتعود أهميتها السياحية والتجارية إلى أنها، إضافة لتعدد آثارها؛ متاخمة للجامع الأزهر ومواجهة لمسجد الحسين، ومن ثمّ يتوجه لها الناس من جميع أرجاء البلاد لشراء مستلزماتهم وأشهرها الملابس والعطارة والهدايا، وهي التي تغنى بها المطرب محمد قنديل أغنيته الشهيرة: "يا رايحين الغورية/ هاتوا لحبيبي هدية/ هاتوا له توب من القصب/ يليق على رسمه/ والطرحة ويا الشال/ وسلسلة وخلخال".
أما الوكالة فقد أنشئت أول مرة بوصفها مبنى فندقياً لخدمة التجار الغرباء الوافدين، ليقيموا فيها، ويخزنوا بضائعهم إلى أن يبيعوها، وكان فيها أيضاً مكان مخصص للدواب. وقد أسهمت أعمال الترميم والصيانة في عودة الوكالة لما كانت عليه يوم إنشائها دون تحريف في عمارتها.
تمتاز المجموعة المعمارية بتصميم فريد، فهي كتلة بنائية واحدة تتخذ شكل حرف "U" الإنجليزي، وتظهر فيها خطوط متصلة بين كل أجزاء المباني. وهي تتكون، وفقاً لوصف هيئة الآثار، من فناء مكشوف مستطيل، تحيط به في جوانبه الأربعة مجموعة من القاعات على خمسة طوابق. واجهتها الرئيسية تقع في الجهة الجنوبية، وبها المدخل الرئيسي للوكالة، باعتبارها وكالة تجارية، ويتكون سقفها من مصلبات مبنية بالحجر تمتاز بمهارة الصنعة والدقة. يتصل الدور الأرضي بالطابق الأول عن طريق سلم حجري وفي هذا الطابق حوالى 30 حاملاً، أما الطوابق الثلاثة العلوية فتشتمل على 29 منزلاً. وملحق بهذه المنازل مشربيات تطل على الواجهة الرئيسية وعلى الفناء.
ويقال إن حوامل الطابقين الأرضي والأول كانت مخصصة لتخزين بضائع التجار النازلين بالوكالة، حيث كانت تعرض البضائع في الطرقات أمامها، أما المنازل بالطوابق العليا فكانت لإقامة التجار.
أصبحت "وكالة الغوري" تابعة لصندوق التنمية الثقافية. وأسهم موقعها المميز في قلب القاهرة الإسلامية في دعم فكرة استثمارها ثقافياً وفنياً. فتم تجهيز الوكالة لتتحول إلى سوق فني وإبداعي، فتم تجهيزها بخشبة مسرح حديثة، وغرف مجهزة لتبديل الملابس، وكراسي لقاعة العرض الواسعة التي تتسع لاستقبال 300 متفرج، وتتوسطها النافورة الرخامية ثمانية الأضلاع، إضافة إلى منفذ بيع الهدايا التذكارية والكتب. كما أن هذا المركز الفني مجهز بنظامي صوت وإضاءة على مستوى راق.
ومع هذه التجهيزات أصبحت وكالة الغوري قبلة لأصحاب الميول الفنية والأدبية من مبدعين وجماهير، حيث تتنوع الأنشطة والفعاليات بشكل كبير، فهناك ورش التدريب الفنية، والندوات والمعارض الدائمة والمؤقتة، والفنون المسرحية والغنائية المختلفة. كما تعد "فرقة التنورة للفنون التراثية" من أبرز الفرق التي تقدم عروضها الراقصة والموسيقية وفقرات الإنشاد الديني بصورة أسبوعية.
المساهمون