وقف تمويل "أونروا": حق العودة في مواجهة التصفية

02 سبتمبر 2018
الصورة
تقدّم الوكالة مساعدات لحوالي خمسة ملايين لاجئ(عبدالحكيم أبو رياش)
+ الخط -
يقف الشاب محمد عبد العال أمام بوابة عيادة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، حاملاً بعض الملابس الجاهزة ليبيعها للذين يمرون من خلال البوابة الزرقاء إلى داخل العيادة ويخرجون منها، وهم بالآلاف يومياً. لا يخفي محمد، على غرار جميع اللاجئين الفلسطينيين حول العالم، القلق المسيطر من التطورات المتلاحقة التي تعصف بـ"أونروا"، المؤسسة الأممية التي وجدت لرعاية اللاجئين الفلسطينيين حتى عودتهم إلى ديارهم، منذ تولي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاليد الحكم وسلسلة القرارات التي تتخذها والتي تستهدفهم. ودخلت الخطوات الأميركية أكثر الفصول خطورة عقب قرار إدارة ترامب وقف المساعدات المالية التي كانت تدفعها الولايات المتحدة سنوياً للوكالة، في مسعى لتصفية قضية اللاجئين، بعد تلميحات متعددة صدرت أخيراً بشأن "إعاقة" ملف اللاجئين لمفاوضات التسوية ولمحاولات فرض ما يسمى بـ"صفقة القرن" التي يطبخها الأميركيون وبعض العرب للقضية الفلسطينية.

وبات محمد متوجساً من المستقبل القريب، في ظل ما يسميه تآمر الإدارة الأميركية على الفلسطينيين وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي ظل حالة الانقسام الداخلي التي تمنع من اتخاذ مواقف قوية حيال أي سياسات عدوانية تجاه القضية والحقوق الفلسطينية، على الرغم من الإجماع الفلسطيني على إدانة الخطوة الأميركية ووضعها في خانة السعي لتصفية حق العودة. وفي هذا السياق، لفت قول وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أمس، إن قرار وقف الدعم الأميركي لـ"أونروا" لن يؤدي لتفكيكها، معلناً أن القيادة الفلسطينية ستتحدى الإدارة الأميركية وستعمل بالتنسيق مع الأردن بشكل رئيس لحماية الوكالة.

من جهته، يقول عبد الناصر المصري، بينما كان يحمل "كيساً" من الطحين استلمه للتو من الوكالة الأممية للمساعدات الغذائية التي تقدمها "أونروا" كل بضعة أشهر للاجئين الفقراء، إنّ الشعب الفلسطيني يتعرض لأكبر مؤامرة في تاريخه، لكن المؤامرات دوماً كانت حافزاً للتمسك بالحقوق الوطنية والثوابت، مطالباً بوحدة فلسطينية لتجاوز كل المؤامرات التي تهدد بتصفية القضية الفلسطينية. يضيف المصري: "المعاناة تلاحقنا منذ النكبة، لا نريد مساعداتكم ولا رعايتكم، نريد العودة إلى أراضينا المحتلة ونحن سنعمرها ولن نحتاج أحداً". وكان المصري يتلقى مساعدات غذائية تناهز 200 دولار كل ثلاثة أشهر من "أونروا"، لكنه في السنوات الأربع الأخيرة بات يتلقى أقل من نصف المبلغ، وسطة خشية من أنّ تتوقف هذه الإعانات الضرورية للاجئين في وقت قريب.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قد أكد أنّ "أونروا تتمتع بسجل قوي في توفير خدمات تعليمية وصحية وغيرها من الخدمات الأساسية عالية الجودة، وذلك في ظروف صعبة للغاية للاجئين الفلسطينيين الذين هم في أمسّ الحاجة إليها".
وتقدّم الوكالة الأممية مساعدات لحوالي خمسة ملايين لاجئ من فلسطين في الأردن ولبنان وسورية والأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، الذي يقطن فيه نحو 110 آلاف لاجئ فلسطيني، وهو أكبر مخيمات اللاجئين الثمانية في القطاع المحاصر، ويبدو الفقر في كل جنباته الممتدة، على الرغم من حركة الإعمار التي طالت أطرافه الحيوية. وتتضمن خدمات الوكالة مساعدات إغاثية، ورعاية صحية وتعليمية ومساعدات نقدية للأسر الفقيرة من اللاجئين.

ويتم تمويل "أونروا" بشكل كامل تقريباً من خلال التبرعات الطوعية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. لكن الوكالة تعيش في السنوات الأخيرة وضعاً مالياً صعباً نتيجة تقليص دعمها وزيادة حاجات ومتطلبات اللاجئين في ظل الظروف الصعبة في المنطقة، قبل أن يأتي القرار الأميركي بوقف نهائي لتمويلها ليعزز من الصوبات التي تواجهها. وأثّر الوضع المالي للوكالة الأممية على الخدمات التي تقدمها للاجئين، وتأثر أيضاً العاملون في "أونروا" من ذلك عبر تقليص الوظائف، ووقف بعضهم عن العمل، وعدم دفع استحقاقات غلاء المعيشة والأقدمية.


ويقول الباحث المختص في شؤون اللاجئين حسام أحمد، لـ"العربي الجديد"، إنّ القرار الأميركي يأتي في سياق سياسة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية وحلها بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية، خصوصاً أن الإدارات الأميركية كانت تدعم المؤسسة الأممية منذ نشأتها وحتى قبل صعود ترامب للرئاسة، وتوفر لها الدعم المالي والسياسي. ويوضح أحمد أنّ الإدارة الأميركية تحاول الآن التخلي عن "أونروا" وتشويه صورتها وتتهمها بالانحياز وتزعم أن بقاءها يبقي الصراع مشتعلاً وقائماً، وتحاول الدفع باتجاه شطبها، على الرغم من أنها أسست بموجب قرار دولي صادر عن الأمم المتحدة.

ويبيّن الباحث الفلسطيني، أن التوقف عن تقديم المساعدات مخالف للقانون الدولي، لأن الوكالة نشأت بموجب قرار دولي، وباشرت عملها في 1952 في الأراضي الفلسطينية ودول الطوق، وهذا القرار نصّ على تقديم الخدمات لصالح اللاجئين إلى حين عودتهم لأراضيهم، وطالما لم يعد اللاجئون سيستمر عملها. ويشير إلى أن تراجعها عن الدعم لا يعطي واشنطن الحق في شطبها، فالمجتمع الدولي يواصل دعم "أونروا" ويرغب باستمرار دورها، خصوصاً في ظل تحركات دولية من اليابان وألمانيا لمحاولة سد العجز، إضافةً إلى مؤتمر سيُعقد برعاية الاتحاد الأوروبي من أجل توفير العجز والفراغ الذي تسبّبت فيه الولايات المتحدة.

وبحسب أحمد، فإن واشنطن سعت عبر قرارها إلى تهميش قضية اللاجئين وإضعافها، فهذه القضية كانت تتعرض للهجوم من الإدارة الأميركية طيلة الفترة الماضية إلا أنها بقيت حية، ويمكن الاستدلال بما حدث حين اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في الوقت الذي أكدت فيه مختلف دول العالم على أنها عاصمة للدولة الفلسطينية. والإجراء الذي قام به ترامب من وقف كلي لتمويل "أونروا" سيعيد قضية اللاجئين للواجهة وسيخدمها بقوة، عكس ما أراد الرئيس الأميركي، لا سيما أنه سيوفر عدداً كبيراً من الممولين بدلاً من ممول واحد كان يتحكّم بها، وسيساهم في استمرار عمل "أونروا" بشكل طبيعي، وفق أحمد. ويتعزز هذا الاعتقاد بعدما تعهد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، بأن بلاده ستزيد من نسبة تمويلها للوكالة وإن كان حريصاً على التأكيد أن "التمويلات الألمانية لن تسد العجز البالغ 217 مليون دولار".

وينبّه أحمد إلى أنّ المحاولات الجادة لتصفية "أونروا" بدأت منذ تهجير اللاجئين من ديارهم، ومن قام بالتهجير ومن وضع المسوغات كان في الأساس يحاول تصفية القضية الفلسطينية، لتبقى إسرائيل مشروعاً استعمارياً متقدّماً في منطقة الشرق الأوسط لخدمة مصالح الدول الكبرى. ويعتبر أن هناك إصراراً دولياً على استمرار عمل "أونروا" خشية الفراغ والفوضى التي ستنشأ، لا سيما أن 60 إلى 70 في المائة من اللاجئين ما زالوا يعيشون قرب أراضيهم المحتلة عام 1948 ويحلمون بالعودة، ولا أحد يتوقع ردة الفعل التي قد تحدث لو تم إنهاء "أونروا" والتنازل لصالح الرواية الصهيونية الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية وإجهاض حق عودة اللاجئين.

في الجانب السياسي، يوضح الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، أن إقدام الولايات المتحدة على وقف تمويل "أونروا" بشكل نهائي يعني أن الرؤية الأميركية متطابقة مع السياسة الإسرائيلية وتجنّد نفسها من أجل إكمال الجزء المهم المترتب على واشنطن التي تتكفّل بإنهاء المرجعية الدولية للحقوق الفلسطينية، بما في ذلك القدس واللاجئين.
وبات من الواضح، كما يقول عوكل لـ"العربي الجديد"، إنّ واشنطن منحازة كلياً للسياسة الإسرائيلية وتتقاسم معها الأدوار المرتبطة بالتصفية الدولية والمرجعيات، فيما تتكفل إسرائيل بالباقي، كالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وتغيير وجه القدس المحتلة ومتابعة فصل الضفة عن قطاع غزة. ويضيف أن هذه المعركة ليست معركة فلسطينية أميركية بحتة، لأن الولايات المتحدة تستهدف الأمم المتحدة والنظام العالمي وتستهدف هيبة الأطراف الدولية المعنية، وعلى المستوى الدولي هناك ردود إيجابية وهناك استعدادات من قبل الفاعلين لتحمّل المسؤولية، لكن ربما لا يستطيعون حل كل المشكلة، إنما بالقدر الذي يحافظ على وجود "أونروا".

ويرى عوكل أن العنوان الأبرز لما يجري حالياً هو تصفية القضية الفلسطينية، فالأميركيين يعملون على أساس تنفيذ خطة من دون الإعلان وبعيداً عن الحقوق الفلسطينية التي رتبتها الأمم المتحدة، والتي هي تاريخياً أكبر بكثير مما يجري ترتيبه، فما يجري حالياً هو ترك للفلسطينيين رهينة للأطماع الإسرائيلي التي لا ترى للفلسطينيين حقوقاً أو وجوداً.
ويشير عوكل إلى أن جوهر القضية الفلسطينية يتمثّل في اللاجئين وعودتهم لأرضهم التي هُجّروا منها والتي على أساسها كانت بعض المرجعيات القانونية، والمشكلة الأكبر مع الأميركيين هو أنهم داعمون بشكل كامل للمخطط الصهيوني، وإسرائيل أطماعها تتجاوز الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويلفت إلى أن الاحتلال وطوال الأعوام الماضية لم يتخلَ عن تعبير يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وبالتالي فهذا ينسف أي حلم بإقامة دولة فلسطينية، مضيفاً أن واشنطن عبر دعمها المطلق لإسرائيل تنفذ مخططاً مرتبطاً بمصالحها على اعتبار أن تل أبيب يدها الضاربة في الشرق الأوسط.

ويبيّن عوكل أن الحل الأمثل للتصدي لقرار وقف التمويل ومحاولات تصفية "أونروا" يكون بإنجاز المصالحة الفلسطينية وإعادة ترتيب الكل الفلسطيني لمقاومة هذه المخططات، وهذا سيؤسس إلى حراك عربي ودولي كبير لأن الولايات المتحدة في حالة عداء مع أطراف عدة في المجتمع الأوروبي، الأمر الذي يمكن استغلاله.