وقفة مع محمد علاء الدين
العربي الجديد ــ برلين
(محمد علاء الدين)

تقف هذه الزاوية مع شخصية ثقافية عربية، في أسئلة سريعة حول انشغالاتها الإبداعية وجديد إنتاجها وبعض ما تودّ مشاطرته مع قرّائها. "اهتمامنا بالإنسان أوّلًا يعني ألّا نضع "الدعوية" - سواء دينية أو علمانية - فوق الحرية، وألّا نضع صفحات الكتب فوق دماء ودموع وعرق البشر"، يقول الكاتب المصري لـ "العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

- كتابة نصٍّ جديد ومشاكسة الحياة، كالمعتاد. كنتُ أريد أن أقول لك إنّني مشغول بالتفكير، لكنني تذكّرتُ مشهدًا من فيلم "الغرفة" (إخراج تومي ويسو) - والذي وُصف بأنه أسوأ فيلم في التاريخ - سأل فيه البطلُ صديقه عمّا يفعله، فرد عليه: "أنا جالسٌ أفكّر". وقتها انفجرنا ضحكاً أنا والجمهور، كنّا في سينما جميلة في أدنبره، ورأيتهم يقذفون بالأكواب الورقية والزجاجات وخلافه في اتجاه الشاشة. المفترض أنّنا كبشر نختلف عن الحيوانات بكوننا "مهمومين" بشيء يتعدّى الحاجات البيولوجية، مهمومين بالحياة باعتبارها "عقيدة وجهاداً" أو "إرادة وفعلاً"، والكُتّابُ، طبعاً، فوق قمّة هذا الجبل الهائل من الانشغال والتنظير والسخافة.

حتى اللهو الحيواني البسيط الذي نمارسه في الطفولة فقد وجدنا طريقًا عبر الفن لأن يكون عميقًا وثقيلًا و"محترمًا". تمارس الحيوانات هذا اللهو، يقولون، كتدريب على الصيد، ولكننا كبشر أتخمتهم محلّات البقالة سهلة المنال استعضنا عن تمارين الصيد والمعارك اللاهية بأن نثبت لأنفسنا - لأنه لا قرد يهتمّ لأمرنا فعلًا - بأنّنا جديرون بالحياة وجديرون بذبح الحيوانات والبشر، فقط لأننا نمارس الفن، والفنّ في قمّته انشغال بالعالَم ورؤية له. وفي النهاية، وكلّما هممتُ بأن أتقمّصَ صورة الكاتب المفكّر المشغول بالعالم وكآبته، مثل بيكيت، أتذكّر هذا الحوار في الفيلم وأضحك مثلما ضحكتُ لأوّل مرّة.

هي سخرية من العمق، والانشغال، والجدية المفرطة: نعم الإنسان حيوان مفكّر ومشغول تمامًا بذلك (بصرف النظر عن قيمة هذا التفكير)، ونعم كانت سخرية سيزيف في أن يلعب اللعبة العبثية بمنتهى الجدية، ولكنه لو أخبرني هذا بذات الجدية المقطّبة لوجدت نفسي أضحك. يكفي أن أقول لك إنني أشاكس الحياة، وأعمل على نصّ جديد. ومن فضلك لا تسألني عن مدى جديّتي في لعب لعبة الأدب، وأنا آسف على هذه الجرعة من التحذلق تجاه سؤال يمكن اعتباره تحت قسم "كيف حالك؟".


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟

- "الأعراف" هي آخر رواية صدرت لي في عام 2019. أعمل الآن على رواية جديدة ولكنّني لا أحبّ الحديث عن المشاريع غير المكتملة. فقط تمنَّ لي التوفيق.

الصورة

 

■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟

- مزيجٌ من الرضا وعدم الرضا، الكُتّاب تتناهبهم دومًا مشاعر الألوهية والضآلة في آن؛ عندما تكتب يجب أن تؤمن بأنك تكتب أحسن من سرفانتس، كما قال ماركيز ذات مرّة. ولكن قراءة الكتب العظيمة التي كتبها غيرك، والكتب الرديئة التي كتبتَها (كما تتبدّى لعينيك)، تورثك هذا الشعور بالإحباط. عامّةً هو مفيد تمامًا لكتابة تجربة جديدة، وتقول لنفسك: "أكتُبُ هذا الكتاب القادم وأموت"، غالبًا لن تموت وغالبًا ستقول لنفسك "لا. لم أكتب الكتاب العظيم بعد، دعنا نحاول مرّةً أُخرى".

أظنّ أنَّ بلوغ هذا "الكتاب العظيم" - من وجهة نظرك بالطبع - سوف يعني موتك فعلًا. الاكتمال بالفعل يعني انتهاءً أو بدايته. كاتب شرّير مثل جويس قال مرّةً إنه "سوف يضع في كل صفحة من صفحات يوليسيس لغزًا يحار فيه النقّاد، وهكذا فسيضمن الخلود". هو يعني أنّ الفهم والإحاطة الكاملة يعنيان التجاوز والموات. أظنُّ أنَّ وظيفة هذا الشعور المؤرق بالنقصان وعدم الاكتمال، على سخافته، هو دافع لأن تكتب من جديد.

الشعور بالنقصان وعدم الاكتمال دافع لأن تكتب من جديد

■ لو قُيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟

- نفس المسار بالضبط. ربّتني عمّتي وجدّتي في بيت عائلتي الكبير، وفي مرّة كنتُ أعاني من نزلة برد وأنا في السابعة أو الثامنة من عمري، لا أعلم، ولكن كلّ ما أتذكّره هما شيئان: حساء البطاطس المسلوقة ومجلّة "الرجل الوطواط" المعرَّبة في لبنان، والتي أحضرَتها لي عمّتي، طيّبَ الله ثراها، وكانت بداية تحوُّل إلى فأر كُتب، ثم في سن الثانية عشرة قرأت روايتَين: "دراكولا" لبرام ستوكر، ورواية أُخرى كانت مترجمة تحت اسم "الثورة - قصّة الصراع الطبقي في أيرلندا الشمالية" للكاتب الأميركي فرانك شانون آو مانون لا أتذكّر. أغلب الظنّ أنّ الرواية لم تكن بهذا الاسم (لقد قرأتُ رواية "أن تمتلك وألّا تمتلك" لهيمنغواي تحت اسم "المهرّبون" في "روايات الهلال")، وأغلب الظن أنّني لو قرأت هذه الرواية الآن لوجدتها سنتمنتالية لزجة سخيفة، ولكن، كصبي في هذه السن، فقد سُحرت تمامًا بقصّة الحب بين البطل والبطلة، وهذا الصراع ضدّ الظلم، وقلتُ لنفسي: "أريدُ كتابة رواية مثل هذه!".

في هذه الأيام أيضًا كنتُ أكتبُ لمجلّة "سمير" كمراسل صحافي ناشئ (وهنا فرصة لشكر نتيلة راشد رئيس التحرير رحمها الله والأستاذ محسن الزيّات مسؤول الباب أطال الله في عمره)، ثم كنتُ صحافيًا محترفًا في جريدة محلية في منطقة باب اللوق وعابدين حيث كنتُ أقطن، وأنا في الثالثة عشرة من عمري فحسب، باعتباري كنت أتقاضى عشرة جنيهات على تحرير باب الطفل هناك، ثم استمررت في العمل في الصحافة حتى الجامعة، حين قرّرت الاتجاه للكتابة الساخرة قبل أن أكتب الأدب. هكذا ترى أنّني لم أُتقن أيَّ شيء في حياتي أكثر من هذه المهنة: الكتابة. لا أريد أن أقول لك إنها مهنة تتفوّق على أي شيء، أو كما فعل فوكنر في مرّة، حين استقال من عمله ككاتب في مكتب بريد، محرّرًا خطاب استقالة يقول "إنه أعظم من أن يُضيّع وقته في عمل لعين كهذا مقابل سنتات ضئيلة". فقط كلّ ما أقوله لك هو أنّ الكتابة هي كلُّ ما أستطيعه، وبالأساس لأنني كنت قارئًا نهمًا.

الصورة

 

■ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

- أن ندافع عن البشر أوّلًا وليس الأفكار. نحن أبناء الأفكار التي غيّرَت العالم، نعم، لكن ينبغي أن يكون الإنسان أوّلَا. كلّنا، أو أغلبنا، ننسى الإنسان في لحظات فارقة في تاريخنا، بالذات في اللحظات الفارقة تلك، ونهرسه تحت جنازير الأديان القويمة أو الأيدولوجيات الصالحة. نقول لأنفسنا إنّ "كل معركة ولها ضحاياها"، ونعزّي أنفسنا في هرس الإنسان الحاضر بتخيُّل مستقبل أفضل للإنسان في المستقبل. يبدو كلامًا جميلًا، ولكنه يعني أيضًا أنَّ أفكارنا كانت أهمَّ من حيوات الناس أنفسهم، مع أنّها لا بُدّ وأن تهدف إلى تحسين ذات هذه الحيوات، الآن، وليس بعد جيل أو جيلين. اهتمامنا بالإنسان أوّلًا يعني ألّا نضع "الدعوية" - سواء دينية أو علمانية - فوق الحرية، وألّا نضع صفحات الكتب فوق دماء ودموع وعرق البشر.

بالطبع أحدّثك الآن عن "المخلصين للقضايا"، أمّا الانتهازيون، الجائعون للسلطة والمال، فلا يهمُّهم أيٌّ من هذا بالطبع، بل إنهم أوّل الداعمين والمتاجرين بمثل هذه الأشياء بحناجر نحاسية وقحة ودعيّة. نعم، أودّ أن يكون الإنسان أهمَّ من الأفكار. لا أنتظر ذلك، مع أنّنا جميعًا ننتظر شيئاً، لكن أتمنّاه، أتمنّاه ككل الأحلام الجميلة التي تجعلنا نمضي في حياتنا بصرف النظر عن تحقُّقها، وهذه هي روعة الحياة في ذاتها.

أتمنى أن يكون الإنسان أهمَّ من الأفكار ومن الأيدولوجيات

■ شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 

- لا أعلم. لم أفكّر في هذا قطّ. ماركس؟ غرامشي؟ ربما يكون اللقاء مخيّبًا للآمال: قلّةٌ من المفكّرين يتكلّمون بصفاءِ وعمقِ ما يكتبون. لكنّني بالفعل أود سؤال ماركس عمّا يجري الآن، أهي إرهاصات تُحقّق نظريته في ثوب جديد، أم ماذا؟ لا أقصد أيَّ مسحة طوباوية ولا نبوءات توراتية، لكن يبدو أنّنا ما زلنا في سياق يسمح بتحقُّق نظريته. أودُّ أن أسمع كيف سيصوغ رؤيته للعالم في عام 2020. بالنسبة إلى غرامشي، فتعبيره الشهير عن العالم القديم الذي لم يمُت بعد والعالم الجديد الذي هو في المخاض لعِبارة أيقونية، ربما يليق بها ما يُنسب إلى الأديان عن كونها "صالحة لكلّ زمان ومكان". ولكن هل سيتّفق هو مع افتراض ديمومة المخاض هذه؟ 


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟

- كتابان في الحقيقة، "العمى" لساراماغو و"منزل للسيّد بيسواس" لنايبول، هذا على سبيل المثال لا الحصر. أتأمّل كثيرًا في العمي الذي أصابنا جميعًا، بدون إعلان أو دراية، كيف أنَّ إدراكنا له فجأة قد يُفصح عن أجمل وعن أسوأ ما فينا. يتخيّل ساراماغو أناسًا مبصرين ينتهبهم فجأةً عمى غريب يحيل الكون كلّه مساحةً بيضاء، ليس عمى أسودَ داكناً مطبقاً كالعادة. يطيب لي أن أفكّر أننا عُمي فعلًا، عُميٌ صمٌّ بكمٌ ربما. ربما عمى ساراماغو الأبيض هو وهج الشمس في أعيننا، وهج الحياة التي تسرقنا من أنفسنا. أحبّ نهاية هذا الكتاب أيضًا، نهاية سعيدة حقيقية، ليست لزجة ولا مبتذلة.

في "منزل للسيد بيسواس"، أتأمّل دومًا الحلم بالبيوت، الحلم بمكان تحت الشمس؛ يريد السيد بيسواس منزلًا لنفسه، ينقذه من عسف عائلة زوجته الأثرياء. سخرية نايبول وألمعيته في رسم الشخصيات وتخطيط مساراتها. بالنسبة إليّ نهاية الرواية هي نهاية سعيدة فعلًا: نعم لقد حصل السيد نايبول على بيته، بيت رديء وفاحش السعر، لكنه حصل عليه في النهاية، ثم مات. لم يهزم فعلًا أمام العالم، أليس كذلك؟


■ ماذا تقرأ الآن؟

- الرواية الأولى الضائعة لساراماغو، اسمها بالإنكليزية Skylight. لا أعلم ترجمةً عربيةً دقيقة للغاية لهذه المفردة. قراءة هذه المخطوطة التي ضاعت لأربعين من الأعوام شيء مثير للتأمُّل، بالطبع يسبق ذلك فضول عارم: كيف بدأ ساراماغو رحلته. لا يوجد في هذه الرواية الأولى ذلك الخيال مطلق السراح الذي ميّز أعماله اللاحقة، هي رواية واقعية تمامًا في شوارع لشبونة، وموضوعها تقليدي تمامًا (سكّان في بناية)، والتكنيك المستخدم تقليدي تمامًا (الانتقال من كلّ شقة إلى أُخرى)، لكنك لا يمكنك إلّا أن ترى موهبة كبيرة في هذا الكتاب الأوّل، وعينًا ترى الشخصيات بوضوح متعاطف، بل ويمكنك أن ترى إرهاصات أسلوب ساراماغو لاحقًا، ربما إرهاصات بعض من شخصياته الروائية أيضًا.

لقد رفض ساراماغو نشر هذه الرواية في حياته، وفسّرت زوجته ذلك بأنه نوع من ردّ الاعتبار بعدما تجاهلت دار النشر المخطوطة لدرجة إضاعتها. ربما لا تريد هي أن تقول إن ساراماغو لم يعتقد بكون الرواية جيّدة، لا تريد إخافة القرّاء وتدمير المبيعات، هذا بالطبع مفهوم، وأيضًا إنْ ظنّ ساراماغو ذلك فذلك مفهوم أيضًا، ولكن في وسط الرواية ضبطتُ نفسي أفكّر في: إنْ ظنَّ ساراماغو أنَّ هذه الرواية لا تستحق النشر، إذن ماذا سيقول عن العديد من الروايات التي تُنشَر وتُعتبر آيات أدبية لكتّاب كبار، وهي لم تبلغ حتى مستوى "سكايلايت".


■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟

- أستمع للكثير، لن أخبرك عن حبّي للموسيقى الكلاسيكية، لأنَّ هذا سيكون مكرَّرًا مبتذَلًا من الكُتّاب والفنّانين. دعنا نتكلّم عن موسيقى الروك والراي والألترنيتيف وموسيقى الغجر، وعن التشابهات بين موسيقى الراي (موسيقى البربر عامّةً) وموسيقى الجزر البريطانية التي تحملني على التفكير في الإنسان وهجراته وأيّامه وأحواله المتغيّرة رغم وهم رسوخها، والمشترك بيننا حتى لو تخيّلنا استحالته. إن كان لا بُدّ من ترشيح واحد، اعتباطي لوفرة العظمة، فسأقول لك إنني دومًا أرجع لسماع أريثا فرانكلين: صوت جبّار.


بطاقة

كاتب مصري من مواليد 1979 في القاهرة، يعيش حالياً في برلين متفرّغاً للكتابة. صدرت له ستّ روايات؛ هي: "إنجيل آدم" (2006)، و"اليوم الثاني والعشرون" (2007)، و"الصنم" (2008)، و"القدم" (2009)، و"كلب بلدي مدرّب" (2014)، و"الأعراف" (2019)، وأربع مجموعات قصصية؛ هي: الضفّة الأُخرى (2003)، و"الحياة السرية للمواطن م" (2008)، و"الصغير والحالي" (2012)، و"موسم الهجرة لأركيديا" (2015). تُرجمت مجموعة من نصوصه إلى عدّة لغات أجنبية.