وقفة مع خديجة زتيلي

04 يوليو 2019
الصورة
(خديجة زتيلـي في بورتريه لـ أنس عوض/ العربي الجديد)

تقف هذه الزاوية، مع شخصية ثقافية عربية في أسئلة سريعة حول انشغالاتها الإبداعية وجديد إنتاجها وبعض ما تودّ مشاطرته مع قرّائها.


■ ما الذي يشغلكِ هذه الأيام؟
- كثيرة هي الأمور التي تَشْغلني هذه الأيام، فعلى الصعيد السياسي أواكبُ باهتمام ما يقوم به الحراك الشعبي العظيم من مُنجزات لتغيير النظام في الجزائر ورحيل بطانتهِ الفاسدة التي عاثتْ في مؤسّسات الدولة نهباً وتخريباً واحتكرتْ خيرات البلاد، فجاع الشعب جرّاء ذلك وظُلم وطاولهُ الفقر والاستبداد. كما أتابعُ إعلاميّاً مختلف القراءات والتحليلات والموائد النِقاشيّة التي تتناولهُ، إِنْ على المستوى المحلّي أو الإقليمي أو العالمي، وأتطلّعُ كما غيري من المواطنين والأحرار في العالم إلى انفراج في هذه الأزمة السياسيّة، وإلى إجراءات فعليّة نحو دولة مدنيّة ديمقراطيّة لا سيادة فيها إلا للشعب. أما على المستوى الشخصي فتؤرّقني بعض الأعمال التي أنوي استكمالها في المرحلة القادمة، وفي رأسي مشروع كتابيْن قادميْن، كنتُ قد شرعتُ في جمع مادتيهما العلميّة قبل ثلاث سنوات، وانتهى التفكير بي في الآونة الأخيرة إلى ضرورة استئناف العمل في أحدهما على الأقل في الإجازة الصيفيّة، بعد استكمال التزاماتي المهنيّة في الجامعة.


■ ما هو آخر عمل صدر لكِ وما هو عملك القادم؟
- آخر كتبي يحمل عنوان "في دروب الفكر والكتابة"، صدر عن دار "فضاءات" الأردنيّة في عام 2018، وهو سيرة حياة وفكر، إنّه يختصر رغبة البوحِ بلا أقنعة وتجربة الكتابة التي أكون فيها عارية إلاّ من صدقي كما كتبتُ ذلك في مقدّمتهِ. أما عملي القادم فإنّ ديباجة عنوانه لم تتمّ بعد، فأنا عادة ما أترك هذا الأمر إلى نهاية العمل، لكنّه عموماً يتطرّقُ إلى قضايا فلسفيّة وأخلاقيّة وإنسانيّة شائكة وجداليّة، يتجدّد طرحُها في كلّ الأزمنة بصيغ مختلفة، تتساوق -بطبيعة الحال- مع أزمنتها التاريخيّة والمعرفيّة. ويهمّني تناولها وعرض وجهة نظري في بعض جوانبها على ضوء النصوص الفلسفيّة والفكريّة، وانطلاقاً من قراءة الراهن المحلّي والعالمي.


■ هل أنت راضية عن إنتاجك ولماذا؟
- كلّ ما قدّمتهُ إلى حد الآن كان معجوناً بالصدق والصبر والاجتهاد والمثابرة، أملاً في تحريك الراكد والمساهمة في بعض التغيير المأمول، ولم يكن بالإمكان أكثر مما كان، في ظلّ إكراهات كثيرة: اجتماعية وواقعيّة وغيرها. لكنّ الكاتب عادة لا يرضى بما قدّم وتراه يتطلّع على الدوام إلى المستقبل وإلى ما لم يكتبه بعد، ويتوجّس خيفة من الإخفاق في ترجمة الأفكار التي يحملها رأسه والأصوات الكثيرة التي بداخله، إلى منجزات فعليّة بعد مخاضات عسيرة. لهذا ينبغي أن أعترف أنّني أنتمي إلى هذا الفصيل من الناس، وأنّ عيني دائماً صوب الأفق وعلى النصّ الذي لم أكتبهُ بعد، لأنّ ما كتبتهُ قد انتهى وانفصل عنّي وسيمارس حياته بعيداً عن صاحبتهِ، وسوف يتمرّد عليها في أحايين كثيرة بفعل عمليّة النقد. وبشكل أوضح فإنّ رأسي الذي يمتلئ بعشرات المشاكل والقضايا، يحفّزني ويملؤني رغبة في تنفيذ نصوص ومنجزات، هي لحدّ الساعة موجودة بالقوّة لا بالفعل بلغة أرسطو.


■ لو قيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنتِ ستختارين؟
- لو رجع الزمن أدراجه إلى الوراء وقيض لي البدء من جديد فسوف لن أغيّر في المسار الذي اخترتهُ، فأنا عموماً أعشق ما أفعل وأفعل ما أعشق، ولكن كنتُ سأضيف إليه اختيارات أخرى. فلطالما حلمتُ بتعلّم الموسيقى والتخصّص في البيانو أو العود، هذه الآلة الموسيقيّة العريقة التي تحمل بين جنباتها عبق التاريخ، وتمتلئ دفئاً وعذوبة عندما تنبعث من أوتارها الأصوات، وكنتُ سأطوّر مهاراتي في الخطّ العربي الذي أشاد بها أصدقائي أكثر من مرّة، وأنتسبُ إلى مدرسة أو أكاديميّة لصقل موهبتي، وكنت سأبحر في تعلّم لغات أجنبية أخرى لا أعرفها، ولا يزال شوقي إلى تلك الرغبات قائماً.. إنّه لا غنى لنا عن الحلم فهو جزء من حياتنا، وهو الذي يدفعنا في كثير من الأحيان إلى رفع التحديّات، والمراهنة على بقاء المعنى ومعنى البقاء.


■ ما هو التغيير الذي تنتظرينه أو تريدينه في العالم؟
- يستحقّ عالمنا الأرضي حياة أشرف وأنظف من تلك التي يعيشها راهناً، أحلمُ باستقرار الأوضاع في الجزائر وبقيام دولة مدنيّة، وأطمح إلى انتهاء الحروب في العالم بأسره وحلول السلام والطمأنينة فيه، وإلى عيش مشترك بين البشر رغم كل الاختلافات الموجودة بينهم، أحلمُ في كلّ يوم بأن يتمكّن أطفال العالم وخاصّة في مناطق الصراع والحروب من الذهاب إلى المدارس والتعلّم، لأنّ العلم وحده الذي يغيّر الذهنيّات ويوقظ الضمير ويصنع المستقبل، أريد أن يكفّ العرب عن التقاتل في ما بينهم وأن يقوموا برأب الصدع الذي لا يستفيد من بقائه إلاّ قوى أجنبيّة مُعادية، وأن ينتبهوا جيّداً إلى أنّ العدوّ لا يمكنه أن يصير صديقاً. أبتغي أخْلَقَة السياسة والكفّ عن الاعْتِداد بعبارة ماكيافيلي ''الغاية تُبرّر الوسيلة''، وباختصار أطْمح إلى أنسة العالم والعودة به إلى قيمه النبيلة.


■ شخصية من الماضي تودين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
- كثيرون هم من يثيرون فضولي وفرحة اللقاء والسؤال والجواب، في البال شاعرٌ سامقٌ مُذهل مُتفرّدٌ أوصل إلينا نبْضه بكلّ ما يحمله النبض من معنى من تلك الفيافي البعيدة، إنّه عنترة بن شدّاد العبْسي، أودّ أن أسأله كيف استطاع أن يُنشد شعراً رقيقاً عذباً ويُخاطب حبيبته من قلب المعركة الضَروس، كيف زارتهُ جنيّة الشعر في تلك اللحظات المهيبة لتجعل الحبّ يتجاور مع الحرْب أو يسمو عليه؟ أريد أن أثني على ذكائه وأشِيد بإحساسه المرهف، وبمقدرته اللغويّة الفائقة التي تمكّنتْ من نقل كلّ ذلك الجمال إلينا فَرُحْنا نصدّقه ونتعاطف مع صاحبه، سأقول له أنّ الحياكة الشعريّة استثنائّية في شعره، وخاصة في البيتين التاليين:

ولقد ذَكَرتُك والرماح نواهل   منّي وبيض الهند تقطر من دمي
فوددتُ تقبيل السيوف لأنّها   لمعت كبارق ثغرك المتبسّمِ

وهما في تقديري من عيون الشعر الإنساني والعالمي، وأفضل ما قيل في شعر الغزل، وأن عنترة العبسي سيبقى في علياء الشعر وضمن قافلة الخالدين الأكثر رسوخاً في القول والفنّ والجمال.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعودين إليه دائماً؟
- تخطر ببالي هذه الأيام صديقة مصريّة سوريّة تقطن بالقاهرة، مثقّفة وإنسانة مرهفة تمتلئ بأعذب المشاعر، جمعتني بها الصدف الجميلة والمناسبات الفكريّة وطبق ''العيش والملح''، يمتلئ صدري بالكثير من حكاياها ونضالاتها وشموخها، إنّها الأستاذة ثُريا متولي قناوي الوجه القادم من عصور الصدق والحبّ والوفاء المنقرضة. أما سؤالك عن الكتاب الذي أعود إليه، فليس ثمّة واحد بعينه، فمرّة أعود إلى بعض المراجع لمقتضيات بحثيّة، وتارة تستهويني بعض الكتب فأعود إليها ككتاب المغربيّة فاطمة المرنيسي "نساء على أجنحة الحلم".


■ ماذا تقرئين الآن؟
- قراءاتي متنوعة، في واقع الأمر، وحالياً أقرأ للفيلسوف الإيراني داريوش شايغان (1935-2018)، فأطروحاته الفكريّة مذهلة وشجاعة، وقد كتبتُ حوله مقالتين، واحدة نُشرتْ قبل شهرين والثانيّة ستنشرُ في الأيام القليلة القادمة في موقع إلكتروني عربي. تكْشِف مؤلّفات شايغان عن توْليفة عميقة ومُنسجمة بين عالم الروح وعالم العقل، وعن محاولاته الحثيثة لدحْض وتقويض كلّ مركز مُطْلق. ولا يمكن للقارئ الذي يُقْبل على نصوصه أن يتجاهل تحليله العميق وثقافته الواسعة، التي تسْتقي مضامينها من الحضارات الشرقيّة والغربيّة على حدّ سواء، ومن التراث العِرفاني الإسلامي فضلاً عن ذلك. يؤمن بجدوى النقد العقلاني الموضوعي وبفكرة التعايش السلميّ معاً رغم وجود الاختلاف، وفكرهُ النقدي الذي يُلاحق الحقيقة لا يجد حرجاً في تطوير أدواته المعرفيّة في كلّ مرّة، كما يُحبّ كثيراً أن ينسجم تحليله مع السياقات التاريخيّة والمعرفيّة للأفكار.


■ ماذا تسمعين الآن وهل تقترحين علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
- أسمع طبوعاً كثيرة. وأهوى موسيقى الشعوب وآلاتهم العتيقة التي تنقل فيض روحهم ومشاعرهم، لا أحب الموسيقى الصاخبة التي تؤذي الأذن ويرتفع فيها الصراخ على حساب السماع المتمعّن والصفاء أثناء التلقّي، كما تستهويني الموشّحات والغناء الصوفي المطرّز بلغة الضاد.. مع العلم أنّ الأجواء النفسيّة هي ذات صلة باختيار التجارب الغنائيّة والموسيقى التي يودّ المرء الإصغاء إليها، وكثيراً ما تتنوّع اختياراتي وفقاً لذلك.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بطاقة
كاتبة وأكاديمية جزائرية، تُدرّس في قسم الفلسفة بجامعة الجزائر، وهي الأمينة العامّة لـ"الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية". من مؤلّفاتها: "أفلاطون: المعرفة، السياسة، المرأة" (2011)، و"كروتشه والنزعة التاريخية المطلقة" (2016)، و"في دروب الفكر والكتابة" (2018). صدرت لها كتبٌ أخرى بتأليف مشترك؛ من بينها: "الأخلاقيات التطبيقية: جدل القيم والسياقات الراهنة للعلم" (2015).

تعليق: