وقفة مع جلال المخ

31 يوليو 2019
الصورة
(جلال المخ في بروتريه لـ أنس عوض، العربي الجديد)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟
شغلتني مؤخراً متابعة مباريات "كأس أفريقيا" لكرة القدم. لعلها تبدو اهتماماً غير متوقع من كاتب أو مثقف، لكنها بحسب رأيي فرصة لمتابعة أشياء كثيرة من وراء هذه اللعبة، مثل كيف يجري تفريغ شحن نفسية متراكمة لعدة سنوات، والمشاكل التحكيمية، وتدخّل السياسة في كرة القدم وغير ذلك. لو أنني فكّرت في الكتابة عن الكرة مثلاً سأضع كتاباً فكرته أن الكرة تحقق ما تعجز عن تحقيقه السياسة، فمثلاً لاحظنا تضامناً بين الجماهير العربية كرّست له كرة القدم ولم يستطع بلوغه السياسيون. كانت الاحتفالات في تونس بفوز الجزائر بكأس أفريقيا وكأن تونس هي التي فازت.


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
آخر إصداراتي كان مجموعة شعرية بالفرنسية تحمل عنوان Le catéchisme de la fureur، وقبلها نشرت مجموعة شعرية باللغة العربية بعنوان "حريق في صومعة الناسك". بالنسبة لأعمالي القادمة فتتمثل أيضاً في مجموعتين شعريتين واحدة بالفرنسية والأخرى بالعربية. الأولى تحمل عنوان Le prophète de couleurs والثانية تحمل عنوان "أكتب ما أنا بكاتب". قبلها كان لديّ العديد من الإصدارات البحثية ولكنني ومنذ عشر سنوات تفرّغت للكتابة الشعرية باللغتين العربية والفرنسية. أما لماذا انتقلتُ من التراجم والبحوث القصصية إلى الكتابات الشعرية؟ فهذا حصل معي منذ 2010، ومن الثورة التونسية تحديداً، حيث جعلتني أعيش انفجاراً داخلياً حوّل وجهة كتاباتي الى الشعر. أنا متأثر بالشعر الكلاسيكي العربي والغربي وهذا راجع لازدواجية في تكويني الأكاديمي فأنا متحصّل على الأستاذية في الآداب واللغة العربية ولكنني في نفس الوقت أستاذ فرنسية.


■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟
إذا حصل الرضا توقفت مسيرة المبدع. دائماً يراودني ذات الشعور أنني لم أصل بعد إلى كتابة ما أريده. الكتابة دربة واستمرارية في البحث عن النص الأمثل. لا يوجد الرضا، فقط هناك شيء من الراحة النفسية. لو أصابتني آفة الرضا لما واصلت الكتابة.


■ لو قيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
لو حدث ذلك لاخترت نفس المسار. ما يميّز تجربتي هو التنوّع وهو ما أريده دائماً. سأكون كما كنت لأن العملية الإبداعية في ظاهرها اختيار ولكنها في الأصل ورطة جميلة. قدمت تضحيات كبيرة وتحملت مشاكل النشر في تونس واخترت أخيراً النشر على الحساب الخاص. ومع هذا لو قيّض لي الاختيار من البداية لن أتخلى عن مساري.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
العالم يعيش أزمة كبرى شاملة اقتصادية واجتماعية ولا أريد أن أقول أخلاقية لأنني لا أؤمن بالأزمات الأخلاقية. أؤمن أن الرفاه الاقتصادي لو جرى توزيعه بشكل عادل يمكنه أن يحسّن سلوك المجتمعات. أرى في الفن شكلاً من أشكال خلاص الإنسانية لأنه هو من يرسم ملامح العالم الذي تتوق إليه. نظرتي إلى العالم فيها الكثير من التشاؤم لكنه ليس بالمطلق، فالأمل موجود دائم بغد أفضل. شخصياً، أتمنى إنشاء دار نشر لأنها طريقة من الطرق التي تمكنني من المساهمة في النهوض بالمجتمع الذي أعيش فيه وتكون وسيلة أيضاً لمساعدة المبدعين الناشئين فبعض المشرفين على دور النشر صقور استغلال وانتهازية.


■ شخصية من الماضي تودُّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
أودّ لقاء أبو القاسم الشابي، وأتمنى لو وُجد التقدّم الطبّي المتوفر اليوم لأنه مات في سن الخامسة والعشرين بمرض يسهل معالجته اليوم. أعتبره عبقرياً. هناك مودة حميمية بيني وبين الشابي. أعتبره مبدعاً كبيراً وكانت له نظرة استشرافية للمستقبل وأدبه إنساني رغم الألم والمعاناة على المستوى الصحي.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
الكتاب الذي أعود إليه دائماً هو رباعيات الخيّام، أجده أكبر عمل شعري في تاريخ الإنسانية لأنه يختزل التجربة الإنسانية في مختلف مراحلها في نطاق البحث عما يسمى بالحقيقة، وكل إنسان في هذا الوجود يبحث عن الحقيقة على طريقته. رباعيات الخيّام فيها الكثير من طرق البحث عن الحقيقة بصور شعرية وجمالية إبداعية تجاوزت الموجود في زمنها. كان الخيّام يحفر تحت كل المسلمات الدينية والاجتماعية والفكرية. لا يوجد في منطقه مسلمات. ولهذا فإن شعره يمسّ الإنسان في كل وقت وكل وزمان. لقد كان عالماً وشاعراً، ولذلك فهو يعترف بمحدودية العقل ويلتجئ إلى وسائل أخرى للبحث عن الحقيقة.


■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
في الموسيقي أستمع كثيراً لما يسمّى بالفرنسية "الأغنية النص" والتي عادة يكتبها موسيقيون هم أنفسهم شعراء منهم جاك بريل وجورج براسانس وليو فيري وجون سيرا. أما عربياً، فأنا جد متعلق بموسيقى الشيخ إمام. لا يزال فنّه يمس المواضيع الحارقة وفي الوقت نفسه فإن أصوله الموسيقية عريقة وغارقة في الثقافة العربية. هذا يحيلني للحديث عن واقع الموسيقى التونسية اليوم، والتي أرى فيها الكثير من الخفة والميوعة. هناك قطيعة كبيرة بين ما يعيشه المجتمع التونسي وبين الموسيقى. وحتى التعبيرات الجديدة عن الواقع وإن لامست بعض القضايا فإنها لا تحرّكني موسيقياً.


بطاقة
ناقد وشاعر تونسي من مواليد 1961. من مؤلفاته: "جبران خليل جبران بين المصلوب والمجنون"، و"أبو القاسم الشابي وتاج الشوك"، و"مزامير كاردينال"، و"الفردوس الغابر.. جاك بريل"، و"عودة الابن الضال"، و"أحمد فؤاد نجم.. من الثورة إلى الخيبة". كما نقل من الفرنسية كتاب "الإله والدولة" لـ ميخائيل باكونين.

دلالات