وقفة مع: آسية السخيري

11 ديسمبر 2019
الصورة
(آسية السخيري)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته. "قد نكون محظوظين لأنّ ما نعيشه اختبار عميق لإنسانيتنا"، تقول الكاتبة والمترجمة التونسية آسية السخيري في لقائها مع "العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

- مشاغلي، كمشاغل كلّ مواطنٍ تونسي، ليست قليلة في هذه الأيام العصيبة، بسبب ما تمرّ به بلدان الربيع العربي من محن على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. أمّا بالنسبة إلى ما يشغلني بشكلٍ خاص ككاتبة، فهو العمل على جمع منشوراتي المترجَمة في المجلّات الثقافية والجرائد والمواقع الإلكترونية لإصدارها ضمن كتبٍ تشتغل على ثيمات لم يجر التطرُّق إليها بما يكفي؛ مثل الشعر الزنجي (إيمي سيزير، ليون غونتران داما، ليوبولد سيدار سنغور... )، الشعر الفرنسي (روني شار، آرثر رامبو، يوجين غيلفيك... )، الجسد في الأدب الفرنسي، ونقد الشعر الفرنسي.


■ ما هو آخر عملٍ صدر لك، وما هو عملك القادم؟

- آخر عملٍ صدر لي هو ترجمة لديوان "أتْمتة الحب" للشاعر العراقي عبّاس عمارة، وسيصدر هذه الأيام عن دار "Spinelle" الفرنسية. أمّا عملي القادم، فهو أنطولوجيا للقصّة العربية المعاصرة، تضمُّ عدداً كبيراً من النصوص المنتقاة التي ترجمتُها إلى الفرنسية، وهي تتوزّع على كل البلدان العربية تقريباً، وقد نُشرت جميعاً في مواقع أدبيةٍ إلكترونية.


■ هل أنت راضية عن إنتاجك ولماذا؟

- راضية لكوني أعتبرُني صادقةً مع نفسي، ولإيماني بأنَّ الكلمة والفن، عموماً، أمانة ورسالة إنسانية. ولكنّه رضًا نسبيٌّ؛ لأنّ الكمال يعني النهاية. الشاعر، مثلاً، وإن كان منذوراً لكتابة قصيدةٍ واحدةٍ هي التي ترسّخه في مملكة الشعر، إلّا أنّه يظلّ ما دام حيّاً، يبحث عنها في كل منجزه الذي يحاول من خلاله أن يحكي استثناءه وجوهره، وأن يُفرج عن أسراره ويسبرها.


■ لو قُيّض لك البدء من جديدٍ، أي مسارٍ كنت ستختارين؟

- سأختار نفس مساري وبحذافيره، لأنّني سلكته لثقتي بأنَّ النفق مهما طال؛ فهو لا شكّ سيُطلّ على الضوء الذي طالما نشدتُه منذ حيواتٍ بعيدة تختلج بأقاصي أعماقي، حتى وإن كنت لا أمسك بتفاصيلها بريئةً من ضبابيتها، تلك التي تمنعني من محاولة فكّ شيفراتها وإسدال الحجب عنها. نحن لا نقدر على امتلاك الحقيقة كاملةً، ولكن لنا شرف أننا نحاول خوض غمارها بلا وسيلةٍ أخرى غير رغبتنا في أن نكون جديرين بالحياة ما دمنا قد تكلّفنا عبء المجيء إلى هذا العالم.


■ ما هو التغيير الذي تنتظرينه أو تريدينه في العالم؟

- كنت أطمح إلى أن تُصحِّح الثورات ما يعيشه عالمنا، وأن تلبّي توقنا إلى حياةٍ يعمّها العدل والمساواة والحرية. الآن، آمنتُ أوّلاً بأن الثورات ينبغي أن تحدُث في العقول قبل أن تصير سجينةَ عقليةٍ غوغائيةٍ انتهازيةٍ متشنّجةٍ يتناهشها التواكل والبارانويا.

كما آمنتُ بأن الحياة مبنية على قطبين اثنين، هما، مهما تناءيا واختلفا من حيث جوهرهما، متعايشان ومندمجان بشكلٍ يجعل حياتنا لا يمكن أن تستمر بغير بنائها على ثنائياتٍ متناقضةٍ، من أبرزها ثنائية الخير والشر اللذين يُعرَف كل واحدٍ منهما بالآخر. ويظل النضال الإنساني يحاول تغليب كفّة الخير ويظلّ يرجّحها مهما جاوز الشر المدى، كما هو حال هذه المرحلة التاريخية الشائكة، التي قدرنا أننا عشناها. أحياناً، أقول إننا قد نكون الأوفر حظّاً لأن ما نعيشه يُعتَبر اختباراً عميقاً لإنسانيتنا.


■ شخصية من الماضي تودين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

- هيباثيا... طاغور... جلال الدين الرومي... ديميس روتسوس.


■ صديق/ة يخطر على بالك أو كتاب تعودين إليه دائما؟

- هما صديقتان تشكّلان عذوبة الحلم الذي لم يذبل في روحي منذ عشرات السنين: رولا مقديش، حلم طفولتي الذي رأيتُ فيه علّيسة/ أليسار. رولا، وريثة سحر بلد الأرز من أمّها اللبنانية وسحر تونس من أبيها. رولا الأكثر من روحي. رجاء زراد، الملاك الذي أخطأ طريقة إلى أرضنا، فظلّ معلَّقاً بينها وبين سماءٍ تضطرم في ليل عينيها، اشتهاءً للتحليق. رجاء التي كانت دائماً ترجو أن تصير أديبة، ولم...

أمّا الكتب، فلا أعود إليها إطلاقاً، لأنّني أخاف من أن ينطفئ سحرها المتوهّج وإن بقدر نبضٍ على إثر قراءةٍ ثانيةٍ، قد تخيب انتظاراتنا عندما تفصح عن كثيرٍ من أسرارها وتصبح عادية (العادي سجن قاتل). أجمل الكتب تهبنا دهشتها في تفصيلةٍ صغيرةٍ، قد ننسى كل قراءاتنا ولكنّها تظل عالقة في ركنٍ ما مضيءٍ لا ينطفئ من ذاكرتنا. تلك شريعة الإبداع الأصيل.


■ ماذا تقرئين الآن؟

- "اعترافات في الثمانين" لـ هنري ميلر، بترجمة خالد النجّار، ورواية "وأطوف عارياً" للكاتب السوداني طارق الطيب.


■ ماذا تسمعين الآن وهل تقترحين علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟

- "Far away" لـ ديميس روتسوس... أيضاً تجربة أندري ريو تستحق أن نتمحّص فيها كما هي بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ... أنا لا أفهم الكثير في الموسيقى ولكنني أستفتي فيها قلبي... أعشقها سمعاً وأعتبرها اللغة الإنسانية التي عوّضت اللغة الآدمية التي تدحرجت على إثر تشتّتها. الموسيقى هبة السماء.


بطاقة
شاعرة وكاتبة ومترجمة من مواليد 1961 في مدينة سوسة التونسية. صدر لها: "مرافئ التيه" (مجموعة قصصية)، و"جناحها الريح وغيمة ماطرة" (رواية)، و"يدان تتهجّيان الضوء" (شعر). من ترجماتها الشعرية إلى الفرنسية: "الأمطار" لـ نصر سامي، "نهاريا" لـ سليمان دغش، "إسكندرية... لا مزيد" لـ محمود عبد الصمد، و"قمر ليس للموت" لـ حسن رحيم الخرسان، و"أتْمتة الحب" لـ عبّاس محمود عمارة.

نقلت إلى العربية روايتَي "العرس السرّي" لـ جيرار كارامارو، و"هناك حيث النمور في أوطانها" لـ جان ماري بلاس دو روبليس، و"ظلّ ثقيل: مختارات من القصّة الغرائبية اللاتينية المكتوبة باللغة الإسبانية".

المساهمون