وقفة أمام خطاب يوم القدس

10 يونيو 2019
الصورة
ألقى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، بمناسبة يوم القدس، قبل أيام، خطاباً ربط فيه المناسبة بمسألتين أساسيتين: صفقة القرن التي ستكون لها انعكاسات خطيرة، ليس فقط على وضع القدس، بل على القضية الفلسطينية برمّتها، وعلى مصير الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حروبها المتعددة خلال العقود الماضية؛ والحرب الأميركية على إيران. وعرّج في ختام الخطاب على موضوع الصواريخ الدقيقة التي يملكها حزب الله في لبنان. 
هذا الربط في هذه المرحلة الزمنية بالذات صحيح وفائق الأهمية، مستقبل مدينة القدس، وهي من أهم رموز نضال الفلسطينيين من أجل استرداد حقوقهم، هو اليوم رهن ما ستسفر عنه صفقة القرن من نتائج، والأهم الصراع الدائر الآن بين المحور الإيراني ومحور الدول المعتدلة السنية الذي تقوده الولايات المتحدة ضد إيران. ولكن نصر الله خصص وقتاً قليلاً لصفقة القرن، بينما منح الوقت الأكبر لمسألة الحرب على إيران. الأمر الذي يعكس، إلى حد بعيد، الاهتمام الكبير الذي يوليه حزب الله للحرب الدائرة ضد إيران على المسألة الأولى، على الرغم من أن
 من الواضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الثمن الباهظ الذي دفعته القضية الفلسطينية، جرّاء هذا الصراع الذي مزق العالم العربي وفتّته، وأجّج حروبه المذهبية والأهلية في أكثر من مكان، من سورية إلى اليمن، ويستنزف قدرات دول المنطقة، ويضعف قدرة شعوبها على مواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها القضية الفلسطينية على يد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكالعادة، نحا النقاش التحليلي التفصيلي للأمين العام لحزب الله لهذه الحرب باللائمة على دول الخليج، وحمّلها مسؤولية ما هو حادث، وانتقد القمم الخليجية والعربية والإسلامية التي عقدت أخيرا في مكة المكرمة، ملمحاً إلى النيات الطيبة لإيران، في فتح حوار مصالحة مع الدول العربية من دون طائل.
ليس خافياً على أحد أنه بعد أن دفعت القضية الفلسطينية ثمن ثورات الربيع العربي تراجعاً في الاهتمام العربي بها، فإنها اليوم تدفع ثمناً لا يقل فداحةً للصراع بين المحور الذي تقوده إيران ومحور الدول العربية المعتدلة. وهو ثمنٌ متعدّد الأوجه، لا يقتصر على تراجع اهتمام الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية وانشغالها بمواجهة "الخطر الإيراني"، بل الأخطر من ذلك التقارب الذي أحدثه هذا الصراع بين إسرائيل ودول عربية، بذريعة التصدّي لخطر إيران في المنطقة. وهذا الثمن مرشّح لأن يتفاقم مع مرور الوقت، ومع ازدياد حدة هذا الصراع، وانسداد الأفق في العثور على مخرج أو حل.
يتعرّض الفلسطينيون اليوم لأشرس هجمة من إسرائيل والولايات المتحدة، سواء تحت غطاء صفقة القرن أو مقولة السلام الاقتصادي، غرضها تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، ومن رموزها الوطنية، وتحويلها إلى مسألة إنسانية واقتصادية. ويجري ذلك كله في وقت تنشغل فيه إيران، التي تعتبر من أهم الدول المؤيدة للقضية الفلسطينية، بحرب اقتصادية شرسة، تشنّها عليها الولايات المتحدة، وضربات إسرائيلية عسكرية توجّهها لقواتها العسكرية الموجودة في سورية.
لقد نجحت خطة بنيامين نتنياهو في تصوير إيران بصورة الخطر الأول على استقرار دول 
المنطقة، الأمر الذي ساعده في تهميش القضية الفلسطينية، وسهّل عليه استفراد الفلسطينيين واستغلال انقسامهم الداخلي وضائقتهم الاقتصادية التي وصلت اليوم إلى ذروتها، مع الحديث عن قرب الانهيار المالي للسلطة الفلسطينية المحاصرة من إدارة ترامب، لمقاطعتها مفاوضات التسوية التي يقوم بها الوفد الأميركي الخاص، ورفض السلطة حسم إسرائيل أموال الضرائب التي تجبيها لها.
استحقت ذكرى يوم القدس وقفة مختلفة هذا العام، تقوم على الدعوة إلى مصالحة حقيقية بين إيران والدول العربية، وتبديد المخاوف والشكوك، بدلاً من تأجيجها، من أجل فتح ثغرة في جدار اليأس الفلسطيني الحالي. ما يحتاجه الفلسطينيون في يوم القدس دعوات حقيقية وصادقة للحوار الخليجي - الإيراني، قد تكون بوابته الفعلية إنهاء حرب اليمن.
"قضية العرب الأولى" بحاجة اليوم إلى أكثر من كلام تعاطفي في القمم العربية، إنها بحاجة إلى مبادرات بنّاءه شجاعة وصادقة، تكسر الاستقطاب القائم اليوم، وتحوّل الجهود الموزّعة على معارك إقليمية على الهيمنة والسيطرة إلى المعركة الحقيقية الحاسمة، أي الدفاع عن الفلسطينيين وعن فلسطين، وعما يحاك ضدهما في صفقة القرن ومؤتمرات السلام الاقتصادي.
تعليق: