وقائع موت معلن لصحافي حر

16 يوليو 2020
الصورة

محمد منير .. دافع عن الحريات ومصرية تيران وصنافير

قبل رحيله بشهر، بث الصحافي المصري محمد منير فيديو قائلا "لا قيمة للعيش إلا بكرامة، ولا قيمة للحياة بنفس عبد عاجز". كلماته عنوانها "آخر كلام"، وكأنه يكتب رسالته الأخيرة، وهي لم تكن وحسب ردا على تهديدٍ بالقبض عليه، أو ما تحسب له من حملات تشويه تلي ذلك، بهدف أن المعارضين ليسوا دعاة حرية، بل أصحاب أهداف مغرضة، يدعمون كيانات إرهابية، أراد أيضا التأكيد على الحق في التعبير عموما، وحقه باعتباره صحافيا في أن يزاول عمله من دون تضييق، تعرض له طوال سنوات مضت، نتاج مواقفه المعارضة. 

طلب محمد منير إذا مات أن يُكتب في سيرته "شارك في ثورة يناير بصدق".

قبض على منير، منتصف الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) بتهمة بث أخبار كاذبة، وهى تهمة رائجة طاولت غير الصحافيين من أكاديميين وباحثين وحقوقيين وعمال نقابيين، وأخيرا أطباء في ظل أزمة كورونا. قررت النيابة احتجازه 15 يوما على ذمة التحقيقات. وخضع للكشف الطبي أول يوليو/ تموز الجاري، وأفرج عنه، لكن حالته الصحية تدهورت بعد ظهور أعراض إصابته بفيروس كورونا، لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة. بحثا عن العلاج، بث رسالة استغاثة إلى نقابة الصحافيين، ليدخل بعدها المستشفى، ويرحل منها الاثنين الماضي.

وقائع حزينة ومؤلمة شهدها الصحافي الساخر في آخر أيامه، رسائل تحذير لإخافته، وهزيمته نفسيا بمراقبته والتربص له، وصلا إلى السجن وتدهور صحته ورحلة البحث عن علاج. وهو صحافي مناضل طوال 45 عاما، صادق في توجهه وانحيازه للقضايا الوطنية والاجتماعية، يمارس ما يؤمن به ولا يخشى العواقب، حتى بعد أن حذّروه بأنه لن يحتمل السجن في هذا العمر (65 عاما)، لم يغيّر اليساري الطيب بوصلته. وقد أعلن أنه لم يخش السجن، بقدر أنه يريد الحفاظ على كرامته، ولن يموت دونها. وحتى في ظل أزمته الصحية، خاطب نقابة الصحافيين "لا أتسول حقي في العلاج، أطالب النقابة بمساعدتي وترتيب دخولي مستشفى، وسداد القيمة من بدل التدريب". هكذا كان معتزا بذاته وأفكاره، ظل صامدا، ساخرا ومعارضا وناقدا، مباشرا وبسيطا في تعبيراته، وطيبا وبشوشا، تاركا لأسرته وأصدقائه وزملائه الفخر والاعتزاز بهذا النموذج.

أعلن الصحافي الراحل، محمد منير، أنه لم يخش السجن، بقدر أنه يريد الحفاظ على كرامته، ولن يموت دونها

مواقف منير أخيرا امتداد لتاريخه، مدافعا عن الحقوق والحريات في أزمنة ممتدة من عصر السادات حتى جولته الأخيرة والتى أظهر فيها بسالةً في مواجهة تهديدات بالسجن، معلنا قبلها "إذا كان للعمر بقية فسوف أموت بكرامة"، يتصل ذلك بمسارٍ اختاره منذ منتصف السبعينيات، حين انتمى للحركة اليسارية، واختار حلم الثورة، وظل مخلصا لها، يكتب ويحلل مجمل السياسات بمنظور طبقي. ينطلق من مصلحة الفئات الشعبية التى ينتمى إليها، ويعبّر، في الوقت نفسه، ببساطة ووضوح، عن انحيازاته الاجتماعية. وهكذا ظل مهموما بقضية التغيير عبر رحلته الطويلة، ولم يفقد بوصلته، ينتقد سياسات الإصلاح الاقتصادي، قمع الحريات، ويكرّر الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لم تصبه لوثه معاداة الثورة والاصطفاف مع نقيضها خوفا من الإسلاميين الذين عارضهم أيضا، لكنه رفض أساليب الابتزاز التي مورست باسم الإسلام السياسى منذ 2005، وحاولت دوائر ترويجها لاستيعاب نخب من اليسار، بعدما بدا أن هناك حركة سياسية وعمالية احتجاجية ستنفجر. كان المطلوب حينها ألا تلعب القوى اليسارية دورا فاعلا فيها، بحكم أن الأوضاع إذا انفجرت فسوف يحكم الإسلاميون. وهؤلاء، وفقا لهذه الرؤية، أخطر من حسني مبارك. انطلقت محاولات الاستمالة والاستيعاب وإقناع بعضهم بأن التقارب مع السلطة ممكن بوصفها خصماً ثانوياً في ظل وجود الاتجاهات الإسلامية، والتي اعتبروها الخصم الرئيسي. وقد عارض هذا التوجه وكتب عنه محمد منير وآخرون في حزب التجمع. ودعت كتلة من أعضائه إلى العودة إلى قرارات المؤتمرين الرابع والخامس، والتأكيد على أن النظام الحاكم الخصم الرئيسي لما ينفذه من سياسات ضد مصالح الجماهير، وأن التجمع ليس في حالة اختيار جبري بين الحكم والإسلام السياسي، وإنه يسعى إلى إقامة البديل الديمقراطي الثالث، عبر التحالف مع قوى اليسار. بعد مرور عقد، عادت أطروحات التناقض والخصم الثانوي والأساسي، وبشكل أكثر وضوحا وانتهازيةً، تخطّت قوى اليسار، ليتم تشكيل مواقف جماعية مؤيدة للسلطة، انطلاقا من أن التناقض الثانوى تمثله "السلطة" بينما الأساسى تمثله "قوى الإسلام السياسي". وهذا هدفه الرئيس اصطفاف القوى السياسية الإصلاحية وغيرها بجانب السلطة، غالبا يسمّونها الدولة لمزيد من التشويش. يفسر هذا المنطق جانبا من تحفظ قوى يسارية وناصرية على التصريح بأي موقفٍ معارضٍ لسياسات السلطة، بل والميل إلى انتهاز أي فرصة للثناء على السلطة، وتأييدها، عبر بيانات رسمية.

دافع محمد منير عن الحقوق والحريات في أزمنة ممتدة من عصر السادات حتى جولته الأخيرة التى أظهر فيها بسالةً في مواجهة تهديدات بالسجن

ليس من المستغرب هنا أن محنة محمد منير، ثم وفاته، حظيتا باهتمام وتعاطف واسعين، يتجاوزان أبناء جيله والمنتسبين لمهنة الصحافة ولتيار اليسار، فقد اختار الرجل أن يعيش حرّا وصادقا ومقاوما ومنحازا للحق والعدل، ودفع ثمن ذلك بشجاعة مراتٍ، منها فصله من صحيفة حزب التجمع "الأهالي" في 2006 وصحيفة "اليوم السابع" (نائب رئيس تحرير) بعد معارضته التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، فضلا عن تضييق عليه في صحف أخرى. دفع الرجل الثمن برضا، وعاش بكرامة، كما تمنى من دون خضوع أو إذعان. طلب إذا مات أن يُكتب في سيرته "شارك في ثورة يناير بصدق".