... وعَنِ الحَقِ أكتُبُ
نزيه سعيد (اليمن)
عَزفتُ عن الكتابة حيناً، ولم تعد لديَّ رغبة فيها، إلا للترويحِ عن نفسي وهمومي، والبوح بشيءٍ ممّا يجيشُ في صدري، لقرّائي وخاصّتي، ذلك أنَّ أغلب الكتابات اليوم، إمّا في مدحِ طائفةٍ من الناس، أو إطراءٍ لنظامٍ من الأنظمة، أو لجلبِ منفعةٍ على الكاتب، أو نَيْلِ حظوةٍ وصفوةٍ عند مليكٍ، أو زعيمٍ أو شيخِ غَفَرْ، إلاَّ مَن رحِمَ اللهُ، وقليلٌ ما هُم.
واليوم، أجدُني أكتبُ مقاليَ هذا، وكُلي أملٌ في أن يكون ما أكتبُ في ميزان حسناتي عند الله تعالى، حيث لا ينفعُ مالٌ، ولا بنونَ، إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليم.
وما ليَ لا أكتبُ عن الحق، وأنا أرى أنَّه أحقُّ أن يُتَّبعَ، وأولى أن يظهر على الأرض، ما دُمنا نحنُ، أمة الإسلام، أصحابُ الحقِّ، وحَمَلةُ رايته، والمكلَّفين بإظهاره وتبليغه، وإيصاله إلى العالمين.
ولماذا نقصُرُ همَّتنا وغايتَنا في التمسك بأداء أدنى مراتبِ العبادة والطاعة في ديننا، متذرِّعين بالتيسُّر في الأمور، والتسهيل تارةً، ومتترِّسين وراء قاعدة "درءُ المفاسد أولى من جلب المصالح"، تارةً أخرى، لا حُبَّاً في درء المفسدة، ولكن، درءاً لمواجهةِ سُلطانِ الباطلِ وجَبَروته حيناً، وحُبّاً في عَروضِ دنيا، أو تجارةٍ أصبناها حيناً آخر، فتقاعَسْنا ولانَتْ عزيمتُنا، واستكنَّا وراضت نفوسُنا، وتركنا للباطلِ، وأعوانه، الميدان ليصول ويجول فيه، بقضِّه وقضيضه، وقلنا لا طاقة لنا اليوم به (أي الباطل) وجيوشه، وتركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة في الدين، والجهاد في سبيل الله، وأعظمه قول كلمة حقٍ عند سلطانٍ جائر.
أتُرانا، بفعلنا ذاك، درَأنا المفاسد، أم أننا تركناها لتنمو، وتكبُر في مجتمعنا، حتى كبُرت أشجارها، وتفرَّعت أغصانُها في السماء، وبات لها ثمرٌ يُجنى، وظلٌ يُستَظلُّ به، وأصبحَ دُعاةُ الحقِّ غُرباءَ في الأرض، ومنفيِّين في أوطانهم، ومنبوذين في مجتمعاتهم؟
ألأننا نقولُ كلمةَ الحقِّ، ونصدحُ بها في وجه الفساد والطغيان في حيِّنا، وشارِعنا، ومدينتِنا، وفي وطننا، نواجِه تُهَمَ التخلُّف والرجعية، والتخوين والإرهاب؟
ألأننا لا نرضى بغيرِ دين الله بديلاً، ولا نرضى بالضَّيم والجورِ علينا، وعلى شعوبنا ومجتمعاتنا، نُلامُ؟ ما لكم كيف تحكمون؟
أتُرى حُكَّامُنا الطغاةُ القُساةُ جاهلونَ، وعن الحق لا يعلمون؟ كلا.. وألفُ كلا، بل هُم عن كِبرياءٍ يصدُرون، وعن عَرَضٍ من الدنيا يدافعون، والناسُ في تعبٍ وضنْكِ عيشٍ يخوضون.
فمَنْ صَنَعَ الطُغاةَ، إنْ لم يكن المنافقون والمتخاذلون والمستكينون من الأمَّة؟ ومَنْ يُطيلُ مدة مُلكهم، وجَبروتهم، وسلطانهم، إنْ لم يكن الساكتون عن قول الحق، وهم يعلمون؟
ولقد مَنَّ الله علينا، في دولنا العربية، بثوراتٍ، أهمُّ مُنجزاتها، وإنْ لم تكتمل بعدُ، فضحُ وكشفُ زيفِ الفئاتِ الباغية المتجبِّرة من حُكَّامنا، ووُلاةِ أمورنا، بل والمنافقين من أذنابهم، ومَن لفَّ لفَّهم من المثقَّفين والمفكِّرين والعلمانيين و(المتأسلمين). نعم، أقول المتأسلمين، لأنهم تسمَّوا بأسماء الإسلام، ولم يعملوا به، وعاشوا بين المسلمين، وقلوبُهم تهفو لغير المسلمين، وهم الذين رضوا لأنفسهم أن تُباع في أسواق العمالة والنِّفاق بأبخس الأثمان، فتبّاً لهم أنَّى يؤفكون.
والنفاقُ أخطرُ آفاتِ المجتمعات على مرِّ العصور، ولم يَكَدْ ينجو مجتمعٌ من المجتمعات من وجود المنافقين، والأفَّاكين، والمثبطين عزيمة المصلحين، والداعين إلى حفظ مصالحهم، ومنافعهم الشخصية، فوق المصالح والمنافع العامة.
واعلموا أنَّ للحق صولاتٌ وللباطل جولات، وللمعركة ميدانٌ ورجال، فإذا تخاذل وتقهقر رجال الحق، وجَبنوا وضَعفوا، ضَعُف الحق وتقهقر، وظهر الباطل، وطغى وتجبّر، وتنفَّخ المنافقون والدجَّالون والأفَّاكون، رجالُ الباطل وأعوانُه، حتى لظَنَنْتهم قد استحكم لهم الأمر كله، وما لهم منه من شيء إلا بما قدَّر الله، وليَمِيْزَ الخبيث من الطيب، و ليَحيى مَن حيَّ عن بيّنةٍ، ويَهلِكَ مَن هَلَك عن بيّنة، {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}، سورة الأنفال، الآية (42).
وما يدورُ اليوم في الساحة العربية والعالمية من ظهورٍ للباطل والطُغيان، وانكفاءٍ للحق وأهله، ما هو إلا دورٌ من أدوار معارك الحق والباطل، صال فيه الباطل صولَته، وعَلَتْ كلمته، وتخاذل فيه أهل الحق عن حقّهم، فظهر الباطل ظهوره المُقَدَّر، إلى ما شاء الله أن يظهر، حتى إذا أَذِنَ الله لعباده وخاصّته من أهل الحق أن يهبُّوا لحقِّهم، ويدافعوا عنه، رأيتَ الباطلَ وقد زال زوال السراب، وأصبح هباءً منثورا.
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، سورة الفرقان، الآية (23).
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، سورة الأعراف، الآية (118).
واليوم، أجدُني أكتبُ مقاليَ هذا، وكُلي أملٌ في أن يكون ما أكتبُ في ميزان حسناتي عند الله تعالى، حيث لا ينفعُ مالٌ، ولا بنونَ، إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليم.
وما ليَ لا أكتبُ عن الحق، وأنا أرى أنَّه أحقُّ أن يُتَّبعَ، وأولى أن يظهر على الأرض، ما دُمنا نحنُ، أمة الإسلام، أصحابُ الحقِّ، وحَمَلةُ رايته، والمكلَّفين بإظهاره وتبليغه، وإيصاله إلى العالمين.
ولماذا نقصُرُ همَّتنا وغايتَنا في التمسك بأداء أدنى مراتبِ العبادة والطاعة في ديننا، متذرِّعين بالتيسُّر في الأمور، والتسهيل تارةً، ومتترِّسين وراء قاعدة "درءُ المفاسد أولى من جلب المصالح"، تارةً أخرى، لا حُبَّاً في درء المفسدة، ولكن، درءاً لمواجهةِ سُلطانِ الباطلِ وجَبَروته حيناً، وحُبّاً في عَروضِ دنيا، أو تجارةٍ أصبناها حيناً آخر، فتقاعَسْنا ولانَتْ عزيمتُنا، واستكنَّا وراضت نفوسُنا، وتركنا للباطلِ، وأعوانه، الميدان ليصول ويجول فيه، بقضِّه وقضيضه، وقلنا لا طاقة لنا اليوم به (أي الباطل) وجيوشه، وتركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة في الدين، والجهاد في سبيل الله، وأعظمه قول كلمة حقٍ عند سلطانٍ جائر.
أتُرانا، بفعلنا ذاك، درَأنا المفاسد، أم أننا تركناها لتنمو، وتكبُر في مجتمعنا، حتى كبُرت أشجارها، وتفرَّعت أغصانُها في السماء، وبات لها ثمرٌ يُجنى، وظلٌ يُستَظلُّ به، وأصبحَ دُعاةُ الحقِّ غُرباءَ في الأرض، ومنفيِّين في أوطانهم، ومنبوذين في مجتمعاتهم؟
ألأننا نقولُ كلمةَ الحقِّ، ونصدحُ بها في وجه الفساد والطغيان في حيِّنا، وشارِعنا، ومدينتِنا، وفي وطننا، نواجِه تُهَمَ التخلُّف والرجعية، والتخوين والإرهاب؟
ألأننا لا نرضى بغيرِ دين الله بديلاً، ولا نرضى بالضَّيم والجورِ علينا، وعلى شعوبنا ومجتمعاتنا، نُلامُ؟ ما لكم كيف تحكمون؟
أتُرى حُكَّامُنا الطغاةُ القُساةُ جاهلونَ، وعن الحق لا يعلمون؟ كلا.. وألفُ كلا، بل هُم عن كِبرياءٍ يصدُرون، وعن عَرَضٍ من الدنيا يدافعون، والناسُ في تعبٍ وضنْكِ عيشٍ يخوضون.
فمَنْ صَنَعَ الطُغاةَ، إنْ لم يكن المنافقون والمتخاذلون والمستكينون من الأمَّة؟ ومَنْ يُطيلُ مدة مُلكهم، وجَبروتهم، وسلطانهم، إنْ لم يكن الساكتون عن قول الحق، وهم يعلمون؟
ولقد مَنَّ الله علينا، في دولنا العربية، بثوراتٍ، أهمُّ مُنجزاتها، وإنْ لم تكتمل بعدُ، فضحُ وكشفُ زيفِ الفئاتِ الباغية المتجبِّرة من حُكَّامنا، ووُلاةِ أمورنا، بل والمنافقين من أذنابهم، ومَن لفَّ لفَّهم من المثقَّفين والمفكِّرين والعلمانيين و(المتأسلمين). نعم، أقول المتأسلمين، لأنهم تسمَّوا بأسماء الإسلام، ولم يعملوا به، وعاشوا بين المسلمين، وقلوبُهم تهفو لغير المسلمين، وهم الذين رضوا لأنفسهم أن تُباع في أسواق العمالة والنِّفاق بأبخس الأثمان، فتبّاً لهم أنَّى يؤفكون.
والنفاقُ أخطرُ آفاتِ المجتمعات على مرِّ العصور، ولم يَكَدْ ينجو مجتمعٌ من المجتمعات من وجود المنافقين، والأفَّاكين، والمثبطين عزيمة المصلحين، والداعين إلى حفظ مصالحهم، ومنافعهم الشخصية، فوق المصالح والمنافع العامة.
واعلموا أنَّ للحق صولاتٌ وللباطل جولات، وللمعركة ميدانٌ ورجال، فإذا تخاذل وتقهقر رجال الحق، وجَبنوا وضَعفوا، ضَعُف الحق وتقهقر، وظهر الباطل، وطغى وتجبّر، وتنفَّخ المنافقون والدجَّالون والأفَّاكون، رجالُ الباطل وأعوانُه، حتى لظَنَنْتهم قد استحكم لهم الأمر كله، وما لهم منه من شيء إلا بما قدَّر الله، وليَمِيْزَ الخبيث من الطيب، و ليَحيى مَن حيَّ عن بيّنةٍ، ويَهلِكَ مَن هَلَك عن بيّنة، {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}، سورة الأنفال، الآية (42).
وما يدورُ اليوم في الساحة العربية والعالمية من ظهورٍ للباطل والطُغيان، وانكفاءٍ للحق وأهله، ما هو إلا دورٌ من أدوار معارك الحق والباطل، صال فيه الباطل صولَته، وعَلَتْ كلمته، وتخاذل فيه أهل الحق عن حقّهم، فظهر الباطل ظهوره المُقَدَّر، إلى ما شاء الله أن يظهر، حتى إذا أَذِنَ الله لعباده وخاصّته من أهل الحق أن يهبُّوا لحقِّهم، ويدافعوا عنه، رأيتَ الباطلَ وقد زال زوال السراب، وأصبح هباءً منثورا.
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، سورة الفرقان، الآية (23).
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، سورة الأعراف، الآية (118).