وصولُ غودو إلى سورية

11 نوفمبر 2014
الصورة
لعبةُ شطرنج في الخندق الأمامي خيرٌ من مقتلِ الناس، كتبَ ليف تولستوي الذي شهدَ حصار َسيفاستوبول في القرم، منتصفَ القرن التاسع عشر، معلقًا على ضابطٍ عدّوه غريبَ الأطوار حينَ اقترحَ لعبةَ شطرنج بين الروس والإنكليز لإنهاء إحدى المعارك التي حصدتْ ــ حتى تلك اللحظة ــ مئات الأرواح.

غير أن المدافع المنصوبة في الخنادق لم تكنْ تشيرُ إلى أية ثقةٍ يفترضها مبدأ اللعب. كان جليًا أن الحصار لن يُحلَّ بنقلِ البيادق على المربّعات البيض والسود الواضحة التقسيم، وإنما سيأتي الحلّ والخرابُ معًا على رؤوس الحِراب والقذائف. ليست الحربُ لعبةً بالطبع، ولا نزاعًا بين خصمين فحسب. إنها، أولًا وأخيرًا، الموت. الموت بشتّى مرادفاته.

في العقود الأخيرة حُوصرتْ مدنٌ ودولٌ بأكملها. من بيروت إلى رام الله وغزّة وحمص وكوباني. وبعد العراق حوصرتْ سورية، "قلعة الصمود" في بلاغةِ البعث الذي قصفَ بطيران جيشه العقائدي قلاعًا حقيقية من المرقب إلى حصن الأكراد.

قلعةُ البعث السوري، المحاصرة في راهنِ الأيام بالسيوفِ وصواريخ الحلفاء وبنوك العالم الأوّل وشركاته، تقوّضتْ بين المستأسدين والمستبسلين وسوى هاتين الجماعتين المتفرّعتين من عائلة الأسد وأعوانِها في التحرير المُبيد. رعاةُ العالم ضيّقوا على آل الأسد فأمعنوا في حصارِ مستضعفيهم. جحيمُ الحصار اليومي، انتظارٌ يتفشّى فيه الخوفُ والأملُ كالأوبئة؛ يهرمُ المنتظرون في ريعان أعمارهم: المتشبّث بالحياة، الأعمى والمفلوج، ومن أوشك أن يسكتَ قلبه فنجّته الأعجوبة وأعادته إلى الذل.

أسيادُ الأرض في أميركا وأوروبا الذين تؤدَّى لهم فروضُ الطاعة، إنما يخلّفون أسلافهم الأباطرة، ولا يزالون يطمعون بكلّ شيء. كشعبِ الله المختار لا يرغبون بما يقلّ عن كلّ شيء، ويريدون سواهم في الأراضي الأخرى حرسًا أو عبيدًا أو صرعى. يعلم الجميع أن ثمّة مدنًا وبلدات سورية محاصرة تذوي وتتلاشى تدريجيًا، مثل بعض قاطنيها الذين لم يبرحوها.

ليس نبأً جديدًا أن الفقراء لازموا منازلهم، مجبَرين لا أبطالًا. إنهم يتدبّرون أمورهم، يحفرون الأنفاق في حمص ويهرّبون المعلبات والأسلحة. مرضى الكلى يبولون في قناني الماء الوسخة ويضمّدون بأيدٍ مكسورة أشجارهم المريضة، ذبابةُ الرمل تنقّل قبلات اللايشمانيا "حبّة حلب" بين خدود الأطفال الشاحبين، يُطعمهم فقر الدم وحلًا وكلسًا يتقشّر عن الجدران. القمامةُ تتعفنُ في الأرجاء، وتختلطُ بتفسّخِ البهائم النافقة.

تغوّطَ الجنود الفاتحون في غرفِ النوم التي استباحوها. ولكن شاشات التلفزيون لا تبثّ الروائح. لن يشمّ أحدٌ براز الأطفال المذعورين وبَخرَ أفواه الجوعى وتعرّق المحتضرين وقيح الذين يبري السرطانُ عظامَهم على مَهَل. سيبدو الحديث عن السِّلم مهينًا واستخفافًا بجلال الموت وانتقاصًا من عظمة التضحيات، وسيكون تمنّي الحياة العادية حلمًا مُخجلًا. قد تُصوّر الحرب السورية حرب مساكين وهمج، معارك يخوضها أكلةُ أكباد وقلوب الآدميين، ولا بأسَ بانقراض بعض فئاتهم أو اندثارهم في الحصار، أو بعيدًا عن مدنهم وبلداتهم.

الهالكون تتوزّع أجسادُهم المقابر والحدائق وأفنية المنازل وسواحل بحرِ الحضارات الأبيض المتوسط، وتتنازع أرواحهم جهنمات وفراديس. ربما لم ترقَ حربُ سورية إلى تمدّن حروبِ البلقان العريقة، وليستْ كذلك بأناقة الحرب الأهلية اللبنانية، فأداةُ القتل ونسبُ القاتل قد يجعلانه أرقى من قتلة آخرين. تتحدّر السكين من العصر الحجري ومستخدمها سليلُ تلك الأحقاب، السيّافون أبناء القرون الوسطى، أما البرميل المحشو بالديناميت والمسامير، فاختراعٌ حداثي وقِصاصٌ منصفٌ لعقوق الفقراء.

الحربُ مرّة أخرى هي الموت، وما من فكرةٍ بدهيةٍ أشدّ مضاضةً من هذه. محتْ الصواريخ كنيسَ جوبر. ألصقَ الوقتُ جلود المجوَّعين إلى أضلعِهم في معضمية الشام، ونُحرتْ القطط وطُهيت في مخيمِ اليرموك الفلسطيني الذي عوقب عقابًا مضاعفًا. نضبتْ الآبار في دير الزور. تُقطع الكهرباء عن دوما عامين كاملين، في غوطة دمشق الشرقية يتزوّد الناس بالوقود أحيانًا باحتطاب أشجار الزيتون المعمّرة. هؤلاء ليسوا طرواديين في طروادة التي اختصر فرجيل مصيرها بهاتين الكلمتين: "طروادة كانت."، ومدنهم غير محصّنة وغير مخلَّدة.

الواقعية هنا صادمة وقذرة إلى حدّ لا يُصدَّق فيه الواقع؛ المتاريس والدبابات التي هدمتْ أسوار المقابر لتُميت الموتى أيضًا، أكياس الرمل ومئات الحواجز المخططة بألوان البيارق والرايات، لم تصِرْ ملاحم وأساطير لأن هيلين المخطوفة هي سورية.