وسم بضائع المستوطنات...الاحتلال أمام تحديات سياسية لا اقتصادية

24 نوفمبر 2015
الصورة
من تظاهرات حركة المقاطعة (روجر بوش/فرانس برس)
+ الخط -
يعيد تراجع المجمّع التجاري الألماني، "كي دي في"، عن قراره بسحب منتجات المستوطنات الإسرائيلية من رفوف المبيعات، والاعتذار عن خطوة السحب، إلى دائرة الضوء، قرار مفوضية الاتحاد الأوروبي البدء بوضع علامات تشير إلى منتجات المستوطنات الإسرائيلية، الذي صدر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، ليضع القرار المذكور على محكّ الممارسة السياسية لمختلف حكومات الاتحاد الأوروبي، ومدى التزامها بالقرار كأداة للضغط على إسرائيل وحكومتها، وترجمة لمواقف الاتحاد المعلنة بشأن عدم شرعية هذه المستوطنات وكونها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي. 

تعتبر ورقة تقدير موقف وتحليل صادرة عن مركز "أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي، التابع لجامعة حيفا، وضعها الباحثون عيران يشيف، ونيتسان فيلدمان، وعوديد عيران، أنّ القرار المذكور شكّل تحدّياً سياسياً لحكومة تل أبيب قبل أن يكون تحدّياً اقتصادياً حقيقياً ضاغطاً على الاقتصاد الإسرائيلي، باعتبار أنّ مجمل الصادرات الإسرائيلية إلى أوروبا من المستوطنات لا يتعدّى الخمسين مليون دولار، خصوصاً وأن القرار الأوروبي استثنى المنتجات الصناعية وحدّد الخطوة بوضع علامات على منتجات غذائية توزّع على شبكات التسويق الأوروبية، ولا يشمل مثلاً الأجهزة الكهربائية. 

ويلفت المركز، في ورقته، إلى أنّ مسألة الإشارة لمصدر الصناعات الإسرائيلية، كالأجهزة الإلكترونية والكهربائية، أُقرّت في اتفاق التبادل التجاري بين إسرائيل وأوروبا عام 1995، والخاص بشأن إعفاء الصناعات الإسرائيلية من الجمارك، وبالتالي أصرّت أوروبا، في ذلك الوقت، على أن تحدّد إسرائيل وأن تذكر في بطاقة التعريف بالأجهزة الكهربائية، مكان تصنيعها داخل إسرائيل ليتسنّى لمنظومة الجمارك الأوروبية إلغاء الإعفاء الجمركي عن الصناعات التي تأتي من داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وهضبة الجولان المحتلتَين. 

كما تشير الورقة البحثيّة إلى أن القرار الأوروبي لا يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصاً وأنّ وزارة الاقتصاد الإسرائيلية، أقرّت في تقديرات لها نشرتها صحيفة "ذا ماركر" في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، أنّ التعليمات الأوروبية ستكون سارية المفعول على نحو 50 مليون دولار فقط من مجمل 150 و200 مليون دولار، تشكّل مجمل عائدات إسرائيل من تصدير منتجات المستوطنات الإسرائيلية لأوروبا، علماً بأنّ مجمل الصادرات الإسرائيلية السنوية المختلفة لأوروبا تصل، بحسب دائرة الإحصائيات المركزية الإسرائيلية، إلى 27 مليار دولار، تشكّل بدورها نحو 30 في المائة من الصادرات الإسرائيلية للعالم، والتي بلغت قيمتها 92 مليار دولار، عام 2015.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تعترض على وقف متاجر ألمانية منتجات المستوطنات

وترى ورقة مركز أبحاث الأمن القومي، وبالاستناد إلى هذه الأرقام والمعطيات الرسمية، أنّ القرار الأوروبي، وإنْ كان لا يشكل خطراً على الاقتصاد الإسرائيلي، إلا أنه يمثّل بداية مرحلة جديدة تؤشر إلى وجود استعداد لاتخاذ خطوات مستقبلية من شأنها أن تردع الشركات عن تعميق علاقاتها مع إسرائيل.

وفي الحديث المستمر عن خطوات كانت قد تبلورت في أوروبا قبل انطلاق حملة المقاطعة الدولية، "بي دي إس" (BDS)، فقد تسجل هذه الخطوات انتصاراً وإنجازاً لحركة المقاطعة، وبالتالي تلحق ضرراً كبيراً بإسرائيل. وتشير ورقة مركز أبحاث الأمن القومي، إلى الخطر الكامن في الخطوات الأوروبية الأخيرة، معتبرة أنّ التحركات الرسمية التي تبرز عدم شرعية النشاط الإسرائيلي في المستوطنات، قد تؤدي إلى اتخاذ خطوات ضد شركات إسرائيلية تنشط داخل الخط الأخضر لها فروع داخل المستوطنات، أي أنّ من شأن قرارات رسمية حول المستوطنات ومقاطعة منتجاتها، أن تشجع حركة مقاطعة ثانوية ملازمة، وإن كانت غير رسمية لشركات تنشط بشكل أو بآخر في الضفة الغربية، وإنْ كان جلّ نشاطها الاقتصادي داخل الخط الأخضر، والتي يمكن بسهولة تتبُّع مراكز نشاطاتها في الأراضي المحتلة عام 1967، مثل المصارف وشركات البناء وشركات البنى والخدمات التحتية. ومن شأن هذا، أن يعزز جواً مناهضاً لإسرائيل يقود إلى تفعيل وممارسة ضغوط على الحكومات الأوروبية، وأن تخفف من حماس هذه الحكومات للمشاركة في عطاءات ومناقصات حكومية سوية مع شركات إسرائيلية.

ويرتبط كل ذلك، أيضاً، بتعريض المصارف الإسرائيلية، بفعل نشاطها في المستوطنات وفتح فروع لها هناك، لخطر تحويلها إلى هدف للمطالبة باتخاذ عقوبات ضدها من قبل مؤسسات مالية وحكومية في أوروبا. وفي هذا السياق، سبق أن أعلن عدد من البنوك الأوروبية والدولية، وشركات الاستثمار المالية، وصناديق التقاعد، عن سحب استثماراتها من البنوك الإسرائيلية، كما كان الحال مع "دانسك بانك" أحد أكبر البنوك الدنماركية، عندما أعلن في فبراير/شباط 2014 عن وضع "بنك هبوعليم" الإسرائيلي على لائحته السوداء.

وتخلص الدراسة إلى القول إنّه "إلى جانب كون الضرر الاقتصادي الأولي والمباشر ليس كبيراً، إلّا أن التحدي الأساسي سياسيّ، إذ يتعيّن على حكومة إسرائيل أن تنتقل الآن إلى مواجهة مباشرة عينية مع دول الاتحاد الأوروبي، عبر تفكيك المجموع الأوروبي والعمل مع كل دولة بشكل منفرد، حتى لا تقوم حكومتها بتبني قرار المفوضية وألا تفرضه، كما حدث مع ألمانيا التي أعلنت حكومتها عن رفضها تطبيق القرار بوضع علامة على منتجات المستوطنات. ويُرجّح أن تتردد دول أخرى في أوروبا، الخوض في مواجهة بهذا الشأن مع مجموعات من الدول الأوروبية، التي ستعمل بدورها إلى جانب الكونغرس الأميركي ضد تطبيق القرار.

اقرأ أيضاً: إسرائيل ترد على المقاطعة الأوروبية بخطوات سياسية واقتصادية

المساهمون