وسائل التواصل الاجتماعي... أدوات تلميع للنظام السوري

20 سبتمبر 2016
الصورة
يدعم النظام السوري كتائبه الإلكترونية مادياً (فلوريان غيرتنر/Getty)
استخدم النظام السوري منذ الأيام الأولى للثورة السورية في آذار/ مارس عام 2011 وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) كأدوات حرب، ووسائل طعن للجوهر الأخلاقي للثورة. 
واعتمد النظام على جيشين في محاولاته الفاشلة لوأد الثورة: جيش عسكري لاجتياح المدن والبلدات السورية وارتكاب المجازر، وتهجير السوريين، وجيش إلكتروني مهمته اجتياح وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لتزييف، وتحريف الحقيقة.
أدرك النظام أنّ وسائل إعلامه التقليديّة ليس لها أيّ مصداقية في الشارع السوري الذي رفع في الأسابيع الأولى للثورة لافتات تنتقد هذا الإعلام وتعتبره كاذبًا، وشعارات كـ "كاذب كاذب كاذب، الإعلام السوري كاذب"، فقرر الالتفاف على الثورة من خلال وسائل الإعلام الجديد، وخاصةً أنها تستهوي الشباب، وتشكّل شغلهم الشاغل.

من الحجب إلى الاستغلال
عندما بدأت الثورة كان موقع التواصل "فيسبوك" ممنوعًا ومحجوبًا في سورية، ولكن سرعان ما رفع النظام الحجب عن هذا الموقع فاسحًا المجال لجيشه الإلكتروني لإنشاء عشرات الصفحات الإخبارية التي تدافع عنه، وأخرى مزيّفة باسم الثورة لنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة لزعزعة مصداقية إعلاميي الثورة وناشطيها. فقد كانت هذه الصفحات المزيفة بمثابة "طابور خامس" مهمّته ضرب الثورة في الصميم، وزرع اليأس والخوف في صفوف المتظاهرين، وتخويف السوريين من مغبة استمرارهم بالمطالبة بإسقاط النظام.

دعم مباشر
يستمر النظام السوري بدعم جيشه الإلكتروني ليكبُر وينتشر على مواقع التواصل. فتؤكد مصادر مطلعة أنّ هذا الجيش يضمّ آلاف الموظفين والمتطوعين، وتشرف عليه مباشرة مختلف الأجهزة الامنية في النظام، ويتلقى دعمًا فنيًا وماديًا من قبل أجهزة استخبارات إيرانيّة، ومهمته تأجيج النزعات الطائفيّة والعرقيّة في المجتمع السوري، والتشهير بشخصيات ثوريّة ومعارضة للحطّ من قدرهم، والطعن بكرامة المرأة السورية.
كما عمل هذا الجيش، ولا يزال، على ربط الثورة بالتنظيمات المتطرفة من خلال إنشاء حسابات مزيفة تدّعي أنّها تؤيّد الثورة، وتروّج لأخبار هذه التنظيمات، وتضيف أكاذيب عليها. ودأب "جيش سورية الإلكتروني" على مراقبة حسابات أغلب السوريين على موقع "فيسبوك" الذي اعتمد عليه ناشطو الثورة في استنهاض الشارع السوري للمضي في الحراك الثوري.



تحريض مزدوج
كانت أجهزة نظام الأسد الأمنية تجبر المعتقلين على فتح حساباتهم على هذا الموقع أثناء التحقيق لمعرفة موقفهم الحقيقي من الثورة، والدور الذي يقومون به، لذا عمد ناشطو الثورة إلى إنشاء عدة حسابات لهم، وبأسماء وهمية أحيانًا. ويؤكد صحافيون سوريون يتابعون أداء مؤيدي الأسد على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ طريقة أجهزة النظام ومؤيديه في التعامل مع هذه الوسائل لم تتغير طيلة سنوات، رغم سيل الدماء الذي لا يزال يتدفق في البلاد، وتشريد الملايين، وتعريض النظام البلاد لاحتلالين: روسي وإيراني.
ويشيرون إلى أن "شبيحة" الأسد (مصطلح يعني البلطجية وأطلقه السوريون على مؤيدي الأسد)، باتوا "أكثر تطرفًا" من النظام نفسه حيث يدعون إلى قتل مقاتلي المعارضة وعائلاتهم بدل تهجيرهم.
وفي هذا الصدد، يقول الصحافي السوري خالد الخلف: "لدى نظام الأسد حسّ أمني عال، منذ فترة الأسد الأب، استثمر كركيزة أساسية في العمل الدعائي والإعلامي لنظام الأسد الابن على مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية الثورة السورية عام 2011". ويشير الخلف في حديث مع "العربي الجديد" الى أنّ "نظام الأسد وطيلة سنوات الثورة حاول استغلال المواقع الاجتماعي لأقصى حدّ، في تشويه صورة الثورة السورية أمام الرأي العام العالمي وتضليل الحقائق، وتقويض مصداقية وسائل إعلام الثورة".

الجيش السوري الإلكتروني
يوضح خلف أنّ جهود أذرع نظام الأسد الإعلامية والأمنية، "تتركّز في مواقع التواصل الاجتماعي على تشويه الحقائق وتضليل الرأي العام، والإيقاع بالناشطين السوريين من مؤيدي الثورة والداعمين لها في الفضاء الافتراضي". ويشير إلى أنّ أولى ثمرات تلك الجهود ما يسمى بـ "الجيش السوري الإلكتروني" الذي أسسه نظام الأسد عام 2011، بالقليل من الخبرة المحلية، والكثير من الخبرات والكوادر من غير السوريين، من الإيرانيين واللبنانيين، وحتى بعض أصحاب الخبرة في دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة".
ويُبيّن الخلف أن "الجيش السوري الإلكتروني" يشنّ هجمات منظمة على الصفحات المعارضة لنظام الأسد، من خلال تقديم الشكاوى والبلاغات لموقع فيسبوك مثلاً لإغلاق تلك الصفحات أو تعطيلها، وإغراقها بسيل من الشتائم والتخوين والتعليقات المؤيدة لنظام الأسد.

تزوير الحقائق
عن أساليب نظام الأسد في تزييف الحقائق، يشير الخلف إلى أنّ أشهر هذه الأساليب على موقع "فيسبوك" إنشاء صفحات، وحسابات مزورة تحت مسميات تنسيقيات ثورية، وشبكات إعلامية ثورية، عمد من خلالها لبث الشائعات، وتضليل الرأي العام، لضرب مصداقية إعلام الثورة، حيث يعمد بعد فترة إلى تبني اختراق تلك الصفحات والمواقع التي أنشأها هو بالأساس. ولفت الخلف الى ان موقع (فيسبوك) يعد الميدان الأكبر لنشاط نظام الأسد على مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفا: "نلاحظ قلة نشاط وكفاءة مؤيدي النظام على موقع "تويتر"، وخاصة بلغات غير العربية، باستثناء قلة من المغردين من غير السوريين الذين يروجون لنظام الأسد بدعم وتوجيه منه".
ويرى الخلف أن ناشطي الثورة السورية ومؤيديها "استثمروا مواقع التواصل الاجتماعي بكفاءة عالية"، مشيرًا إلى أن نظام الأسد "لا يزال حتى اليوم يفتقر للخبرات المحلية في نشاطه الدعائي، ويظهر ذلك جلياً في قلة الصفحات الموثقة بـ "العلامة الزرقاء" على مواقع فيسبوك وتويتر، وندرة الخطاب الموجه بلغات أجنبية"، مضيفًا: "تعتمد أغلب وكالات الأنباء العالمية في قصصها الإخبارية، وصورها على مصادر من إعلام الثورة السورية على المواقع الاجتماعية، في حين يعد نظام الأسد فقيراً وبدائياً في هذا المجال".

كتائب إلكترونية متطرفة
من جانبه، يرى الصحافي السوري فراس ديبة أنّ طريقة تعاطي النظام ومؤيديه "لم تتغير" على مدى أكثر من خمس سنوات هي عمر الثورة، مضيفًا في حديث مع "العربي الجديد": "هناك متغيّر واحد، وهو أن المؤيدين حفظوا مراحل إعلان هزائم قوات نظامهم أمام الثوار، وحفظوا تبريراتها، بل باتوا يسبقون إعلام النظام في نشر هذه التبريرات". وأعرب ديبة عن قناعته بأن ما سماها بـ "المنظومة القطيعية"، لدى مؤيدي النظام "ما زالت قائمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وبشكل أكثر وقاحة"، لافتًا الى أنّ صفحات "الشبيحة" بدأت في الآونة الاخيرة تكيل اتهامات للروس عند كل هزيمة تتعرض لها قوات النظام، والميليشيات الطائفية التي تساندها، مضيفًا: "لكن هذه الاتهامات يتم نفيها من قبل إدارات الصفحات التي تدار في الأجهزة الامنية التابعة للنظام".
وأشار ديبة الى أنه عادة لا يتهجم الشبيحة على الميليشيات الطائفية التي تدعم الأسد وإيران وحزب الله، لافتًا الى أن المتابع لصفحات مؤيدي نظام الاسد يلمس انهم "أكثر تطرفاً منه"، مشيرًا إلى أن أغلبهم "يرفض تهجير مقاتلي المعارضة، وعائلاتهم من مناطق قرب دمشق، أو في مدينة حمص، ويطالب بقتلهم".