وردة الربيع العربي الحمراء

05 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
يمكن القول، على نحو مجازي، إن وروداً كثيرة تفتحت، دفعة واحدة، في بستان الربيع العربي الذي بدا في حينه، قبل نحو ثماني سنوات طوال، كواحة صغيرة محاصرة في صحاري هذه المنطقة المسكونة بالقمع والقحط، بالاستبداد والظلم والفساد، كما يمكن القول أيضاً، بكثير من الثقة، إن ما تجلى آنذاك كالشهب المغيرة في سماء عربيةٍ صافية، كان في واقع الأمر بداية تحول عاصفٍ وشامل، لديه قوة دفع ذاتي متعاظمة، ودينامية قادرة، في الوقت نفسه، على تجديد زخمها مع مرور الوقت.
في خضم السنوات الطويلة الماضية، ذبُلت ورود عديدة في بستان هذا الربيع المختَلف على سيرورته، بل حتى على تسميته، وتصحّرت أيضاً مساحاتٌ من تربته بفعل فاعل، ونبتت كذلك حشائش ضارّة على أطرافه على نحو ماجن، فكان من الطبيعي أن تذبل، والحالة هذه، باقةٌ من وروده اليانعة، وأن تجفّ باقات أخرى طرية العود، إلا أن وردة كبيرة في قلب هذا البستان، أحسب أنها حمراء بلون دم أحراره، شاباته وشبابه، ظلت متفتحة على طول المدى، تزداد توهجاً كلما ادلهمّ الخطب، كأنها الكوكب الدّري في عتمة الدجى.
بكلام آخر، اختلف الناس حول مكاسب ونوافل معظم مخرجات الربيع العربي، وعلا صراخهم إزاء جدوى هذه الظاهرة من أساسها، إلى درجة ذهب فيها بعضهم إلى حد اعتبار الأمر كله مجرد مؤامرة كونية، ومضى آخرون إلى رميها بشتى التهم المشينة، فيما شكّك الطغاة والأوغاد والبغاة بدافعية القوة المحرّكة لهذه الظاهرة الزلزالية التي واكبتها توابع ارتدادية عنيفة، ولحقت بها عوارض سقيمة، فأخفقت ثورة الربيع هذه في تحقيق الديمقراطية المنشودة، وساء أداؤها، وفشلت في تحسين حياة الناس المعيشية، وخسرت رهانات كثيرة معقودة على راياتها المرفرفة عالياً في هذه السماء المكفهرة.
في خضم هذا السجال الذي لم ينته إلى اليوم، بقيت إحدى أهم مخرجات هذا الربيع المتجدّد والمتمدد، تواصل تفتحها من دون توقف، تعلو علواً لا يُعلى عليه، تكبر وتتوهج، وتكتسب مزيداً من الحضور المؤكد، ونعني بها وردة الحرية الحمراء المشار إليها آنفاً، أي ذلك المنجز المتحقق منذ انطلقت أول صرخة مدوية في تونس، وتردّد صداها في سائر العواصم العربية، وصارت (صرختها)، على طول الخط المستقيم بين مشرق العالم العربي ومغربه، بمثابة النداء الجامع الموحِد للملايين في الشوارع الغاضبة.
وهكذا، قد يختلف المخاطبون بالربيع العربي، ويتجادلون بشأن عديد من نتائج المباشرة وغير المباشرة لهذه الظاهرة التاريخية التي لها ما لها وعليها ما عليها، وقد يطول النقاش بشأن آثارها الراهنة وتداعياتها المحتملة، غير أن أحداً لن يُساجل كثيراً في حقيقة أن ثمرة الربيع العربي المبكرة، المتمثلة في انتزاع الحق في التظاهر، وفي حرية التعبير، وملحقاتها من الحريات العامة، بات من حقائق الحياة السياسية العربية الجديدة، ومكسباً غير قابل للامّحاء، ولا سبيل لردّه، مهما تفننت الأنظمة الحاكمة في احتوائه، أو سعت سعيها إلى إجهاضه، فقد كسر هذه المكسب العظيم كل المحرمات التاريخية، وأسقط سائر الذرائع السلطوية التي كان معمولاً بها سابقاً، لتبرير عملية تكميم الأفواه، وسلب الحريات، وتدجين الشعوب، بحجة الحفاظ على الاستقرار الداخلي تارّة، وقطع الطريق على التدخلات الخارجية طوراً آخر، حيث بات من المسلم به، على أوسع نطاق عربي، أن من حق الناس (الحق المكفول دستورياً يا أخا العرب) أن تخرج إلى الشوارع، وأن تتظاهر سلمياً، فيما كان الأمر قبل الربيع العربي خروجاً على طاعة الحاكم، إن لم نقل تهمة ترقى إلى حد الخيانة العظمى، والعياذ بالله.
بهذا المكسب الذي لا يوازيه أي من المكاسب المتحققة في زمن الربيع العربي، تبدلت رؤية الناس إلى أنفسهم، واستأنسوا ما في دواخلهم من قوة كامنة، وفوق ذلك تغيّر مفهوم الدولة في أنظارهم، حيث لم تعد هذه دولةً متجبرةً مرهوبة الجانب كما كانت بالأمس القريب، دولة ذات وجه شديد الصرامة، لديها أعين تقدح شرراً، وأيد طويلة وطائلة، الأمر الذي كان يحمل مواطنيها على خفض الجناح لها، ومداراتها ما أمكن، وهو ما بات اليوم أطلال زمن غابر، ورجع صوت من ماضٍ مضى إلى غير رجعة.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي