ورثة أستاذ اليأس

21 سبتمبر 2015
الصورة
تجهيز "أن تكنس"، ندى صحناوي، لبنان/ 2011

لم تصمد أفكار آرثر شوبنهاور على مقاعد الدرس، وضمن فضاء الثقافة والإبداع، في عصره، خاصة أمام تنظيرات كانط وهيغل، غير أن عوامل أساسية قادت إلى استعادته، وفي مقدمتها "ضجر" أوروبا بوصفها مسرحاً دائماً لتفاعل وتجريب أفكار كبرى.

وبسبب فشل ثوراتها في القرن التاسع عشر، ثم كانت الحربان العالميتان، إلاّ أن تصاعد الضجر في القارة العجوز، وتراجع اقتصادياتها، حالياً، يستنهض "بابا عدم" مجدداً، وبتنويعات متعددة واستناداً إلى ذرائع لا تنتهي.

تؤكد نانسي هيوستن في كتابها "أساتذة اليأس"، ترجمه إلى العربية وليد السويركي، أنه عوضاً عن أن تظل العدمية مجرّد موضة أدبية وفلسفية، بدت فجأة حقيقة الشرط الإنساني مرتكزة على أن الوجود هو الخطيئة الأولى والأعظم.

لم يكن شوبنهاور يتصوّر العلاقة مع الآخرين إلاّ ضمن حالتين قصويين: القسوة (إنزال الألم بالآخر لإثبات الذات كإرادة) أو الشفقة (التماهي مع معاناة الآخرين)، ولم تدخل في حساباته أبداً علاقات التبادل الشائعة والسائدة في حياة البشر، ومنها الحديث والمزاح والمجاملات، رافضاً بذلك حياة الناس اليومية بأكملها.

مثلما كان يعاب على شوبنهاور تناقضه، إذ دعا إلى تقديس الوحدة، والعزوف عن كل الملذات، وتقديم الإرادة على العقل، وظلّ ذلك نموذجاً مشتهى اخترقه أكثر من مرة، فإن ورثته في الأدب والفن (بيكيت، كونديرا، سيوران، كيرتش، يلينيك...) عاشوا، على مدار أجيال أربعة، تناقضات صارخة في حياتهم وعلاقاتهم، وعبّروا عن انتقائية وأنانية في اتخاذ مواقفهم السياسية والاجتماعية، وكان لانحيازات بعضهم غير النزيهة والعنصرية، أحياناً، دورٌ كبيرٌ في تسويق أعمالهم، كما حدث مع ميلان كونديرا إبان الحرب الباردة، وصولاً إلى واحد أقل قيمة مثل ميشال ويلبيك المعادي للمهاجرين والإسلام وغير الأوروبيين حالياً.

تفسّر هيوستن ظهور كتّاب العدم في أوروبا فقط، وليس في بريطانيا والولايات المتحدة مثلاً، بالإشارة إلى "الولادة في بلد يستثير التناقض الإنساني"، حيث أن بلدان الإمبراطورية النمساوية المجرية هي الأكثر قابلية لإنجاب عشّاق السواد، ولم تبحث في معانٍ أكثر حرجاً تتفرّع في أسئلة متعددة.

لماذا يتطهّر العدميّون من فظائع الرأسمالية وآلتها بالعزلة والكتابة هجّائين إيّاها، بينما يتمسّكون بالمركزية الأوروبية حين يتعلق الأمر بالانتشار وترويج أعمالهم؟ لماذا يصمتون عن المعاناة والشقاء الذي يعيشه مئات الملايين خارج قارّتهم، أو يبدون الشفقة عليهم في أحسن الأحوال، وينقلب الحال بالكامل حين يهرب هؤلاء الأشقياء من جحيم بلدانهم ويلجؤون إلى أوروبا؟

إنه العبث في تجلياته الأوروبية؛ البحث الدائم عن بديلٍ لسقوط المثاليات والأيديولوجيات والمقولات الكبرى، شريطة أن تكون البدائل غير مكلّفةٍ - هجاء الوجود ورفض الزواج والإنجاب أسهل من الانتحار- وأن لا يُفقد العدم كل حقائق التمركز حول أوروبا وأوهامه التي تحتاج إلى أطراف تمارس التلقي والاستهلاك.