وجوه وألوان وأدوار

11 فبراير 2019
الصورة

(إبراهيم جوابرة)

+ الخط -
يقول مثلٌ شائعٌ إن فلانا له أكثر من وجه. وعند الشعوب التي درجت لديها ألعاب التخفّي والظهور تحل الأقنعة مكان صنعة تبديل الوجوه. تتحدّث بعض مرويات الثقافة الشعبية عن أقنعةٍِ متعدّدةٍ للوجه الواحد، تتعدّد وتتوزع حسب الوظيفة، ولكل قناعٍ حالة ومناسبة وموقف. ومن المتعارف عليه أن يغير صاحب الوجه الواحد أكثر من قناع في الجلسة الواحدة. وهذا يعتمد على الخفّة والشطارة. ومثلما يبرع ممثلون في لعب عدة أدوار في عمل مسرحي واحد ينزع صاحب الوجوه المتعدّدة القناع، ويرميه بعد أن يستهلكه، ويأتي بآخر. وهذا نمطٌ من مسرحة التعابير وتقاسيم الوجه التي تتكيف مع ما تمليه اللحظة من مشاعر. وفي بعض الحالات، يتحول القناع إلى وجهٍ لفرط التمثيل والتلاعب.
وعلى الأرجح، تم توصيف التلوّن باستخدام القناع من باب التمويه، وكي يتم تمرير الخداع والمخاتلة ضمن مشاهد يلعب فيها الباطن على الظاهر، كي تمرّ عمليه التمويه بلينٍ ونعومةٍ ومن دون قسوة. ويقال في العربية إن فلانا متلوّن، أي أنه يغيّر لونه حسب المناسبة. وجاء في القاموس المحيط إنه متلون كالحرباء، وهذا وصفٌ يخص من لا يثبت على حال. ولهذا اللعوب نصيبٌ وافر من الهجاء والذم في الثقافة الشعبية والشعر العربي:
ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متلونٍ/ إِذا الريحُ مالَتْ مالَ حيثُ تميلُ
يغيّر ناسٌ كثيرون وجوههم عدة مرات في اليوم الواحد، ومن يضحك لك في الوجه قد يسقط وجهه كي يرتدي محله وجها مخادِعا حين تدير ظهرك. ولدى بعض الناس دزينة من الوجوه التي يشتغلون عليها طوال الوقت. كل وجه يحتاج إلى اهتمام يومي خاص، من رعايةٍ وصيانةٍ ومكياج. وبعض الناس يجمع جميع الوجوه في وجه واحد، وهنا تبلغ اللعبة منتهى الحرفية التي تستحق أن تعتلي خشبة المسرح، في دور من أدوار شكسبير الذي يحفل مسرحه بمصائر دراماتيكية. وحتى بعيدا عن شكسبير، يلعب الممثل الواحد عدة أدوار، فهو في مكان يأخذ المشاهد إلى أقصى درجات التراجيديا، وفي حالةٍ أخرى يصعد به نحو ذروة الكوميديا. ومن أطرف الحالات التي يجسدها هذا الممثل هي عندما يحول نفسه مادة للسخرية، ولعل هذا الوجه أقرب إلى صورته الحقيقية، وغالبا ما يرسخ لدى الناس أكثر من بقية الوجوه.
بعض الوجوه تتعب وتشيخ، ولا يخلعها أصحابها، لأنها تصبح المعبر الفعلي عن الشخصية. ومن هنا، تركّز السينما، في أحيانٍ كثيرة، على منح ممثل واحد مهمة تأدية أدوار معينة، وتحصره في شخصية الشرير او اللطيف أو الدونجوان أو المتآمر. وفي حين تبدو لعبة السينما مسليةً، فإن الدور الواحد في الحياة يمكن أن يصبح مضجرا أو مدمرا، إذا وصلت اللعبة إلى منتهاها لدى محترفي التلوّن، ولكن هناك ممثلين يسكنون الدور الواحد، ويرفضون مغادرته ويفشلون في الأداء إذا غيّروه. وبعيدا عن السينما، يعكس التشبث بالدور الواحد حقيقة الممثل الداخلية التي تجد استقرارا في الحالة الواحدة.
وعلى المقلب الآخر، لا يقبل الممثل صاحب الطاقات والمواهب المتعدّدة لعبة الدور الواحد، فنراه يتنقل بين أدوار متعدّدة، حتى يرضي نزعته في اللعب والتمثيل والحرفية العالية في تقديم مواهبه التي تأسر الجمهور، وتُبقيه على مسافةٍ قريبةٍ من الممثل.
قد تتوفر مواهب التنكر كلها في شخص واحد، فيكون له وجوه متعدّدة، وقدرات على التلوّن، ونزعة في لعب عدة أدوار. وغالبا ما تنتج هذه الخلطة كائنا خطيرا، ولكن خطره يتضاعف حين يمشي على طريق السلطة، فهو كي يصل لابد أن يخون من مهّدوا له الطريق، ويفتك بكل من يقف في دربه، وشيئا فشيئا يصبح هذا المتملق المنافق طاغيةً وشرّيرا بلا حدود.