وجهة نظر يهوذا!

وجهة نظر يهوذا!

13 أكتوبر 2014
الصورة

في كاتدرائية سانت زينو في توسكانا في إيطاليا (Getty)

+ الخط -

... قولوا ما شئتم، أما أنا فلستُ نادماً أبداً، بل إنني فخور بما فعلت، وسيأتي عليكم اليوم الذي تدركون فيه سفاهة الأقاويل التي تحدثت عن أكياس الذهب التي بعته بها، لتفهموا عندها أنني لم أفعل ما أغضبكم، إلا من أجل مصلحة وطني.
العالم ليس مكاناً تتحقق فيه الأحلام الوردية، وأورشليم ليست مدينة فاضلة، ولن توجد في هذه الحياة، أصلاً، مدينة فاضلة. لذلك، كان يجب أن يهدأ، ولو رغماً عنه، لكي يتحقق الاستقرار، بدلاً من أن تشعل البلاد كلماته التي تلهب مشاعر المكبوتين، وتهددنا بفوضى عارمة ندفع ثمنها غالياً.
بالطبع، تألمت عندما رأيته ينزف على الصليب. لم أكن أحب أن يحدث له ذلك. لكنني توقفت سريعاً عن لوم نفسي، عندما تذكرت الحقيقة المرّة التي لن تعترفوا بها أبداً: حقيقة أن إصراره على أن يحقق كل أحلامه هو الذي أودى به هناك، ولست أنا، فقد كان عليه أن يتحمّل ثمن رفضه كل نصائحي بأن لا يأخذ الأمور دائماً بجدية، وأن لا يذهب إلى أبعد مدى في عدائه مع مَن يملكون القدرة على إيذائه.
كان فرحاً بتحلّق العامة من حوله. كان، يا ولداه، يظن أنهم سيقفون إلى جواره في مواجهته الحتمية مع مَن يفزعهم هجاؤه لاكتناز الأموال، ودعوته للعطاء والبذل؟ لم يستجب لتحذيراتي له بأن يتوقف عن إشعال الجبهة الداخلية وزعزعة الاستقرار وتهييج الجماهير وإثارة مشاعر البسطاء. كان يرد مبتسماً بأنه لا يفعل شيئاً سوى أن يقول كلمته، ويمضي، مع أنه كان يعلم أن كلماته كانت توقد النار في صدور المحرومين المتعطشين إلى استرداد ما يظنونه حقوقهم.
ستقول لي إنها حقوقهم بالفعل. فليكن، ما الذي استفاده، إذن، من تذكيرهم بها؟ هل كان يظن أن علية القوم سيقفون مكتوفي الأيدي، حين يدخل الهيكل ليقلب مناضد الصيارفة، ويقول لهم "مكتوب بيتي بيت الصلاة، وأنتم تجعلونه مغارة لصوص"، أو عندما يردّد خلفه الدهماء ـ الذين كان يسميهم ملح الأرض ـ أن دخول جمل في ثقب إبرة أيسر من دخول غني ملكوت السماء، أو حين يطلب من الأثرياء ألا يكنزوا كنوزاً على الأرض، بل في السماء، حيث لا سوس، ولا صدأ، ولا لصوص؟ ألم يكن يدرك خطورة كلام مثل هذا على السلم الاجتماعي، حتى وإن كان يقوله بنبرة هادئةٍ، كان يظن أنها ستلين له القلوب الغليظة؟ ثم قل لي بعيداً عن كل هذا: أين ذهب الذين كانوا يطربون لحديثه عن العدل، حين احتاج إليهم؟ ألم تر بعضهم، وقد أشاح بوجهه لكي لا يرى هول الفاجعة، بينما وقف بعضهم صامتاً مذعناً، لكي لا يدفع ثمن رفضه ما يجري؟ أما معظمهم فقد شارك في التهليل والتصفيق والمباركة والتأييد لما يجري، بعدما تأكد أنه لا يملك، أصلاً، ما يقدمه له سوى موته.
صدّقني، لا تحتاج إلى أن تكون نبيّاً لكي تدرك أن الناس أوغاد، وأن الحياة أجمل من أن تضيعها على محاولة إصلاحهم، أو تغيير أحوالهم بالنيابة عنهم، فليغيروها هم إن أرادوا، لماذا توجع قلبك، وتضحي بحياتك من أجل مَن ألفوا العفن، وأصبحوا لا يرون سواه بديلاً؟ هاه؟ تبدو جميلة في فمك وأنت تلوكها عبارة "ما الذي يفيدك، لو كسبت العالم وخسرت نفسك". طيب، جرّب أن تقولها، وأنت ترى دماءك نازفة على الأرض، من دون أن يبكي عليك أحد. عندها فقط ستتفهّم وجهة نظري، وستدرك أنني جنّبت وطني وشعبي فتنةً، لم تكن ستفضي إلى أي تغيير أو إصلاح.
لا أستطيع أن أنكر أنني كنت معجباً به. كان شاباً طاهراً مشرقاً، يقول كلاماً جميلاً، يحرك النفوس. كنت أحبه، مثلما كان يحبه الكثيرون، لكنه فهم محبتنا خطأً، وتصوّر أنه سيقدر على أن يفرض حلمه بعالمٍ يكون من حق الفقير أن ينازع الغني ثروته، فيمنحها له الغني عن طيب خاطر، عالمٍ يكفّ الناس عن الاستمتاع بشهواتهم في التسلّط والسيطرة، ليأملوا في ملكوت الله، عالمٍ لا تمتلك فيه حتى متعة أن ترجم عاهرة بحجر، قبل أن تفكر في خطاياك قبل ذلك. هل كان يظن أنه سيجد عالماً مثل هذا إلا في السماء؟ إذن، فلتشكروني، لأنني عجّلت بإرساله إليها. فليهنأ بعالمه هناك، وليترك لنا عالمنا نعيشه كما ألِفناه، قبل أن يسمّمه بأفكاره التي لم تعد بعدها حياتنا هانئةً كما كانت.
صدّقني، كان لا بد من أن نقتله، لكي لا نكون مثل بابل وأنطاكية. كان لا بد من أن نقتله، لكي تحيا أورشليم.
(إلى مينا دانيال وعماد عفت وطارق الأقطش وجميع شهداء الثورة المصرية)
بلال فضل
belalfadl@hotmail.com