وجدة المفاجآت السارّة

29 أكتوبر 2018
الصورة
محمد المليحي/ المغرب
+ الخط -

أمشي في شوارع وجدة مبسوطاً. حولي البراءة الأولى، وقلبي يغرد مع الناس. أمشي، بمنأى عن حياة ومدن وبشر استقروا في الرأس. ها أنا ذا أتركهم هناك، في الذاكرة، وأجيء ههنا لأغتسل.

لقد أتت الزيارة في وقتها تماماً، كأول خروج فيزيائي إلى فضاء إسلامي، منذ وقتٍ "يرونه قصيراً وأراه طويلاً". كنت بحاجة لهذا التغيير حقاً، إذ امتلأ القلبُ بأوشاب الغربة، حدَّ السأم.

خمسة أيام، نقلتني من"التجربة" إلى "البكارة". من فضاء محايد إلى آخرٍ حميم: من المصبّ الذي أُلت إليه، إلى النبع الذي بدأت منه.

في اليوم الثاني، استيقظت على أذان الفجر، من مئذنة قريبة، تطالعني كلما فتحت نافذة الفندق. نزل الصوت الرخي على قلبي نزول الندى. قمت فتحت الزجاج، وصفنت في الهواء البارد المغبش، وبكيت. إنه أول أذان أسمعه منذ قرابة سبع سنوات! أنا الذي ليس لي في الاعتقاد ولكنني ابن هذه الحضارة.

أما وجدة، فجئتها وما في البال غير قصيدة قديمة لشاعر عراقي، وغير أنها مدينة حدودية، حالها كحال مثيلاتها في منطقتنا. لكنها فاجأتني في غير وقت وغير موضع. حتى اعتبرتها "وجدة المفاجآت السارّة".

بدءاً من الأسماء الوازنة المدعوّة لـ "المعرض المغاربي للكتاب"، مروراً بأريحية المُنظّمين، وانتهاء بملح وجدة الماكث: ناسها الجميلين النبلاء. كل يوم، أتجوّل لساعات، مع زملاء، أو وحيداً. وأعود وقد ظفرت بخميرة أحتاجها للمستقبل.

مضت الزيارة، كحلم سريع. وهي ذي كلماتٌ تُكتب فورَ الرجوع إلى المُغتَرَب ذي الخُفّيْن. كلمات تتوسل بالقلب لا بالذاكرة، فالأخيرة لا يتسع لمجمل أحداثها ووجوهها هذا المقال.

ذات مساء، عدت من خيمة المعرض مشياً إلى الفندق. اشتريت من فتى يبيع السجائر على بسطة، ونقُصَ ثلاثةُ دراهم. قال: يكفي، هات ما معك. مضيت متذكراً نفسي وأنا في مثل حاله وسنّه.

هنا، في مدن الرساميل، لو اشتريتَ بألف يورو ونقص عليك سنت، لن تتم العملية. هذا واحد من الفروق بين حضارتين. فسلاماً أيها الفتى! سلاماً يا روح المغرب العميقة.

تلك الروح التي وجدتها سابقاً، وأجدها الآن متجلية في قراءة "الأعمال القصصية الكاملة" للعزيز محمد زفزاف. اشتريتها من المعرض، وكانت بحق مفاجأة هذا السفر الجميلة.

أما نجوان، فأتحفني بديوانَي شعر جديدَين، أظنّهما يعيدان الاعتبار إلى الأدب المقاوم: شعر مغرق في الانتماء إلى محبة الإنسان، في الإحساس به، عبر لغة مقتصدة وبصمة مائزة.

أعود من وجدة برفقة شاعر كوبا فيكتور رودريغيث نونيّث بعد مرورنا بالدار البيضاء: كل شيء ههنا يبقى على حاله.

أودّع الرجل في ساحة جامعة برشلونة، على وعد بلقاء قريب، وأتذكر بعض الوجوه العزيزة التي قابلتها للمرة الأولى: ميشيل، هدى، رشا، عبّاد، الحبيب، جلال، علاوة، سكينة، ديمة.

كل شيء لا يزال هو نفسه. الرمبلا لا يزال مفتوحاً وغاصاً بالعابرين. وعلى الجانب الآخر من الليل، يواصل شعراء المدينة التنقيب في آلامهم بإخلاص هوسي. كل شيء، إلّاك، فقد عبرتَ نهراً آخر، وذقت طعْم الجنة الوجيز.

المساهمون