وجدانيات رمضانية (1)

وجدانيات رمضانية (1)

29 ابريل 2020
+ الخط -
حنين العارفين لقبلة المحبين
تلفح وجوههم نسمات باردة في هزيع الليل الأول، وتنبجس من مقلهم دمعة كانت مكبوتةً من ألم الفراق. سقفُ مسجدهم سماء الله، بما فيها من رحابة وسمو، يتوجهون إلى القبلة وفي القلب منها يضعون الأقصى، هي التحاف المتصوف بين أنوار مسجده وفيوض قدسه، يقفون بخشوع وتؤدة يستمعون إلى قراءة الإمام في المسجد، على بعد أمتارٍ قليلة عنهم، وقلوبهم بين التفكر في الآيات والتحسر على الفوات، حالت دونهم الأبواب المغلقة، وشرطة المحتلّ المدججة بالجبروت والسلاح.

يصلّون متباعدين، ولكنّ قلوبهم تتحاذى كتفاً إلى كتف، وقلباً ضمّ قلباً في عناق، هي تراويح ليست كغيرها في هذه الدنيا، فمسجدهم أرض الله بما رحبت، ولكنهم لا يبرحون الباب، ويتبتلون على الأعتاب، وسقفهم سماء الله، ودعاؤهم لا حُجب في طريقه ولا تسربله قيود.

قلُوبُ العَارفينَ لَهَا عُيُونٌ .. تَرَى مَا لا يُرَى للنَّاظِرِينَا
وأجْنِحَةٌ تَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ .. إلَى مَلَكُوتِ رَبِّ العَالمِينا
وألْسِنَةٌ بأسْرَارٍ تُنَاجِي .. تَغيبُ عن الكِرَامِ الكَاتِبِينا


أدندن بخلدي هذه الأبيات منذ أيام، وأطوف بمعانيها الجميلة الرقيقة، ولم أجد أكثر تفسيراً لها، وتجسيداً لمضامينها، من صورة شباب القدس المحتلة الذين يصلون أمام أبواب المسجد الأقصى المغلقة، جراء جائحة الوباء، وهم بإصرارهم على هذه الصلاة يتحدّون الاحتلال وما يحوكه من خططٍ لاستمرار إغلاق الأقصى. فهم ممن ذاق حلاوة المناجاة في رحاب هذا المسجد المبارك، ونهلوا من معين حبه والتعبد في جنباته، فبُعد المؤمن عن أيّ مسجد يورث في قلبه حسرات لا حدّ لها، وآلاماً لا براء منها، فكيف بمن ابتعد عن قبلة المحبين، ومهوى قلوب العارفين، وموئل المكلومين المعذبين. إنه الأقصى ثالث مساجدنا العظيمة.

تقول حكايةٌ مؤنسةٌ من أرض الأندلس المسلوبة، إن فقيراً يعاني من العمى طرق باب بيتٍ أندلسيّ في حيّ البيازين القشيب بمدينة غرناطة، وغرناطة من درر العالم، وواحدةٌ من أجمل مدن الحضارة الإسلامية، ولكن زوجة صاحب المنزل ترددت قليلاً في إجابة السائل، فقال لها زوجها وهو يحضها على إعطاء المال للسائل المسكين: "اعطه صدقةً يا امرأة، فليس هناك أشدُّ حسرةً وألماً في هذه الدنيا من أن تكون أعمى في غرناطة".

وأود أن أسأل سؤالاً شبيهاً بما قاله الغرناطي الكريم: هل هناك أكثر ألماً وحسرةً في هذه الحياة من أن تكون مقدسياً ولا تستطيع الصلاة في المسجد الأقصى، أو أن تكون فلسطينياً وتمنعك سلطات الاحتلال من زيارة القدس الأسيرة، أو أن تكون شامياً - من بلاد الشام - ولا تبعد عنك القدس إلا كيلومترات معدودة، ولا تستطيع القدوم إليها معتكفاً متعبداً واصلاً للرحم ناهلاً من الفيوض.. والكثير الكثير من هذه الأسئلة المقلقة، فلا أشدّ حسرةً من هذا البُعد القسريّ وهذا الغياب الدائم.

لم يكن شهر رمضان شهراً عادياً في القدس، إذ تنتفض على محتلها في كل شهر مبارك، وتُثبت أن رمضان فرصةٌ متجددة لترتدي أثواب الأصالة والقداسة من جديد، فلها منه حللٌ بهية من ألوانٍ وزيناتٍ واهتمام بكل تفصيل وموضع، وغير ذلك من صنوف الطعام والودّ والتآلف، وإفطارهم في الأقصى صورٌ بهية عن حب المقدسيين له، وتفضيله على منازلهم، ليكون إفطارهم وصلاتهم في مكانٍ عظيمٍ واحد، وما يتصل به من اعتكافٍ وعبادة وتهجد وقيام، فالأقصى يزهو بعباده ورواده، كما يزهو الحرم ومسجد النبي.

ولكن رمضان هذا العام أتى في ظروفٍ قاسيةٍ صعبة، منها انتشار المرض وإجراءات البُعد، وفاقم من هذا المرض، مرضٌ أشد فتكاً وأكثر تغولاً، ألا وهو مرض المحتلّ، إذ يُريد تكميم الأفواه، وإبعاد المؤمنين، وتركهم يلاقون مصيرهم إما مرضاً بالوباء، أو أسراً في زنازينه الصماء، وبين هذا وذاك، يفترس ما بقي للمقدسيين من فسحة الربانية، ويهدد أقصاهم، وإنه والله لعبٌ بالنار، وفتحٌ لتصاريف الأقدار، ولن يلاقي من بعدها إلا الخسران والبوار.

حنين العارفين إلى قبلة المحبين، لا تحدّه كلمات ولا تصفه عبارات، فالأقصى لهذه الثلة المباركة معراج روحيّ، وسمو نفسيّ، وهم له - أي للأقصى - شريانه الهادر، وروحه الثائرة، وجذوة وجوده ووقوده، فأي علاقة تلك التي ترتسم في هذا المكان المبارك، وفي هذا الزمان المبارك، وما هذه إلا من بركة الأكناف، لن يضرهم من خذلهم أبداً، لو كان ملكاً أو حاكماً أو مدلساً، أو مسلسلاً متهافتاً سمجاً.. وعلى أمل لقاءٍ قريب، يظل الشوق حادينا ومرشدنا.