وثائقي "أرض العسل": حصّة النحل المفقودة

19 سبتمبر 2020
الصورة
ترعى خديجة نحلها في شقوق الصخور وثقوب الأشجار العتيقة (Imdb)

بين الحين والآخر، تقدم لنا السينما المقدونية عملاً لافتاً، وقد استطاع الوثائقي المثير "أرض العسل" أن يرشح لجائزتي أوسكار كأفضل فيلم أجنبي وأفضل فيلم وثائقي طويل.
منذ استقلال مقدونيا الشمالية عن يوغوسلافيا عام 1991، لم تصل السينما المقدونية إلى حواف العالمية إلا في 1995، حين رشح فيلم "قبل المطر" Before the Rain للمخرج ميلشو مانشفسكي لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. واليوم، يحقق وثائقي "أرض العسل" نجاحاً مضاعفاً بعد ترشيحه لجائزتي أوسكار كأفضل فيلم أجنبي وأفضل وثائقي طويل.

جاء الترشيحان بمثابة تتويج لرحلة الفيلم الذي تم عرضه في أكثر من 50 مهرجاناً سينمائياً، ونيله أكثر من 20 جائزة دولية، من أهمها ثلاث جوائز في مهرجان صندانس في أميركا الشمالية، من بينها جائزة لجنة التحكيم الكبرى للأفلام الوثائقية وجائزة أفضل تصوير. كما كان أيضاً أحد الأفلام الوثائقية القليلة التي وجدت إقبالاً جماهيرياً كبيراً في دور العرض السينمائية المحلية منذ عرضه الأول أواخر العام الماضي، واليوم يطوف الفيلم دور السينما الأوروبية بنجاح أكبر.
"أرض العسل" هو العمل الأول للمخرجين تمارا كوتيفسكا وليوبومير ستيفانوف، اللذين قاما بتصوير ما يقرب من 400 ساعة على مدى ثلاث سنوات متواصلة في منطقة جبلية وعرة من مقدونيا، حيث تعيش بطلة فيلمهما خديجة موراتوفا، التي تعتبر نفسها واحدة من آخر من ينتجون العسل البري في البلاد، لتختصر هذه الساعات الطويلة إلى ساعة ونصف فقط هي مدة الوثائقي، لكنها كانت كافية لتحكي لنا القصة الغريبة لهذه المرأة وقريتها المهجورة.. قصة شبه مجازية تنعكس ظلالها لتكون بمثابة مرآة للعديد من أمراض عالمنا الراهن.


العسل البري
عندما بدأ الثنائي المقدوني تصوير الفيلم، كان مشروعهما لا يتعدى تقديم وثائقي قصير عن إحدى القرى المهجورة، إلى أن التقوا بخديجة موراتوفا آخر سكان القرية بعد أن هجر الجميع المكان القاحل. وحين عرف صناع الفيلم القصة الغريبة لخديجة مع العسل والنحل البري، تحول مشروعهما المشترك إلى ملحمة استمرت ثلاث سنوات من التصوير والعيش في الخيام بالقرب من منزلها الحجري، في سبيل تتبع حياة خديجة وأمها العجوز طريحة الفراش، التي تعاني من ضعف السمع والبصر.
تعيش خديجة ووالدتها وسط جبال مقدونيا الصخرية في عزلة واضحة، من دون أصدقاء أو أهل أو جيران، وهي كما تقول من مواليد تركيا عام 1964، لم تتزوج من قبل، ومن ثم فليس لديها أطفال. ويبدو أنها أمضت حياتها كلها في هذه المنطقة الصخرية من يوغوسلافيا السابقة. تكسب خديجة لقمة عيشها من بيع عسل النحل البري في أسواق العاصمة المقدونية سكوبي التي تبعد 70 كيلومتراً من عزلتها. ولخديجة أساليبها الحميمة مع خلايا النحل التي صنعتها في شقوق الصخور، إلى أن يوقفنا الشريط أمام القانون الذهبي الذي تتعامل به المرأة مع نحلها: "النصف للنحل، والنصف لي".

عندما بدأ الثنائي المقدوني تصوير الفيلم، كان مشروعهما لا يتعدى تقديم وثائقي قصير عن إحدى القرى المهجورة

بداية الصراع
يتحول هذا القانون، بعد مضي نصف ساعة من أحداث الشريط، إلى جوهر الصراع الذي سينشأ ليحرك الأحداث، فخديجة لا تستنفد إمدادات النحل من العسل في سبيل الربح السريع، لأنها تعرف أنها لو فعلت، فسيموت النحل من الجوع، لذا تترك نصف العسل وتبيع النصف. إلى أن نرى قدوم عائلة كبيرة لتسكن في أحد البيوت المهجورة جوار خديجة، أسرة تركية مكونة من حسين وامرأته ليوتفي وأطفالهما السبعة، وسرب من الأبقار والخراف، فالجيران الجدد يعيشون على تربية الماشية، وسرعان ما تصادق الأسرة خديجة، فنراها وهي تلعب مع الأطفال وتتحدث مع ليوتفي وزوجها، إلى أن تخبر خديجة جيرانها الجدد بمصدر رزقها، لتبدأ دراما العمل.
يقرر الجار الجديد أن يحذو حذو جارته ويتاجر هو الآخر في العسل البري، فتحاول خديجة أن تنقل سنوات خبرتها وحكمتها إليه، وتطلب منه أخذ نصف العسل وترك الباقي للنحل، ولكن حسين لا ينصت إليها؛ كيف وهو يرزح تحت نير أسرة كبيرة العدد!

يتجاهل الرجل النصائح في سبيل مضاعفة أرباحه، ليتحول الفيلم إلى صراع مكتوم بين خديجة وجارها الجشع في كيفية الاستفادة من الطبيعة الأم. هنا، يتورط المخرجان في تكوين صورة ملهمة لامرأة تستمر في حرب خاسرة منذ البداية، وإن كنا أيضا لا نستطيع إدانة جارها المسكين، لأنه وعائلته فقراء بشكل واضح، لذا فإن الجشع في مشروعهم التجاري الجديد أمر مفهوم وإن كان غير أخلاقي، ما يجعل خديجة نفسها تتسامح مع جشع جارها بقولها: "ربما كنت فعلت الأمر ذاته لو كان لدي أبناء مثله"!
تسافر خديجة بالقطار إلى سكوبي لبيع العسل. وفي حديثها مع أحد التجار الألبان بالسوق الشعبي، تقول له إن جميع الألبان والأتراك الآخرين غادروا قريتها، وبقيت هي ووالدتها فقط. لكننا لا نعرف نوع الأزمة أو الظروف التي أدت إلى هذا النزوح الجماعي، أو مدى عزلة حياة خديجة في الواقع. هذه العزلة التي تخف قليلا حين يرافقها أحد أولاد حسين في ذهابها إلى جمع العسل من شقوق الجبال.

يتورط المخرجان في تكوين صورة ملهمة لامرأة تستمر في حرب خاسرة منذ البداية

عدن المنسية
هكذا تصبح "أرض العسل" مثالاً في التأثير المباشر للرأسمالية على الطبيعة الأم، ففي حين ترعى خديجة نحلها في شقوق الصخور وثقوب الأشجار العتيقة، نرى حسين يأتي بالخلايا الخشبية لينشئ مزرعته الخاصة. وفي حين ترى خديجة العسل هدية من الطبيعة البكر، يرى حسين النحل شراً لا بد منه ليتمكن من الحصول على العسل، وخديجة لا تلدغ من النحل، على الرغم من أنها تستخدم يديها العاريتين في الحصول على نصف العسل، في حين نرى حسين وأطفاله وهم يفرون من لدغات النحل وهو يتكالب عليهم في كل مرة اقتربوا من خلاياه.

يجذب صناع العمل المشاهدين منذ الدقائق الأولى إلى المكان البكر، كأنه جنة عدن منسية، إلى أن تأتي أسرة حسين فيبدأ الصراع بين الجارين، لكن الوثائقي ينتهي من دون أن يجيب عن العديد من الأسئلة التي تتفجر داخلنا كمشاهدين: كم مضى على خديجة وهي تعيش في هذه العزلة؟ ولماذا هجر سكان القرية المكان ومتى؟ وما الذي أتى بحسين وعائلته الكبيرة إلى الجبال؟ ولماذا استقروا في مكان جبلي غير مناسب لتربية الماشية؟ وأين أفراد عائلة خديجة؟ ولماذا لا يظهرون في الشريط على الرغم من الشكر الواسع لهم في تترات نهاية الفيلم؟


تميمة النحل
لم يستخدم المخرجان أي تأريخ للأحداث أو تقسيم العمل إلى عناوين داخلية، كما تجاهلا أي تعليقات صوتية أو إجراء مقابلات، بل أظهرا الشخصية الرئيسية في الفيلم كما هي من دون أي تدخل، وغاب عن العمل أي تأثيرات صوتية أو موسيقية من أي نوع، لم نسمع طوال الفيلم إلا أزيز النحل وصوت صرير الراديو.
صحيح أن النحل أصبح في السنوات الأخيرة هو التميمة الأبرز للأزمة البيئية المتزايدة، وصار تناقص أعداد مستوطناته حول العالم رمزا للقنبلة البيئية الموقوتة، وربما لهذا السبب حظي "أرض العسل" بهذا الاحتفاء السينمائي الدولي مؤخراً، فالوثائقي الشفاف منح النحل، ومن خلفه خديجة، دورا رئيسيا في فيلم وثائقي مركّز، بمثابة نموذج مصغر للأفكار التي أصبحت مركزية اليوم في الخطاب حول القضايا البيئية، وتأثير الجهل والغطرسة والنفوذ الاقتصادي وحتمية الحقائق العلمية على الطبيعة الأم.
يمكننا اليوم سحب المعركة التي يطرحها "أرض العسل" على مناحي الحياة المختلفة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية، أن نستبدل العسل بالمال أو المخدرات أو الأسلحة، أو أي سلعة أخرى من الليثيوم إلى النفط، ولن تتعدى النتائج النهائية ما حدث في "أرض العسل" التي توحشت، على الرغم من الشعور الذي يسيطر علينا أثناء المشاهدة بأن هذه البقعة الجبلية تبدو وكأنها في كوكب آخر، لكن كل أحداث "أرض العسل" تحدث الآن في مكان ما من العالم، صحيح أنها تحدث بأسماء وشخصيات وسلع مختلفة، ولكن بالنتائج ذاتها، في ما يشبه قصة مجلوبة من الدراما اليونانية، أو بالأحرى؛ مأساة مقدونية لها طعم مرير.