واشنطن وطهران.. قواعد الحرب والسياسة

14 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
بضعة صواريخ أميركية من طراز HELLFIRE R9X أنهت أسطورة قاسم سليماني في العالم العربي. وفي المقابل، بضعة صواريخ إيرانية أنهت أسطورة الولايات المتحدة التي لا يستطيع أحد ضربها.
قد تبدو هذه السطور القليلة تعبيراً عن واقع الحال، أو تعبيراً عن قواعد الحرب والسياسة بين الولايات المتحدة وإيران. الرد الإيراني ليس عابرا بلغة الحرب والسياسة، فقاعدة عين الأسد تحتوي على مدرج للطائرات ورادار عملاق يغطي الأراضي العراقية والسورية حتى فلسطين، إضافة إلى أجهزة اتصالات وتجسّس كبيرة، وهذه جميعها دمرت. ولكن التدقيق في التطورات الأخيرة كفيلٌ برفض هذه المعادلة، فالضربة الإيرانية ليست تعبيرا عن تغييرٍ في قواعد اللعبة، كما ذهب بعضهم، حين اعتقدوا أن الصواريخ الإيرانية على قاعدتين أميركيتين (عين الأسد/ كامب كابكيك في الأنبار وقاعدة إربيل) هي الأولى من نوعها ضد الولايات المتحدة منذ هجمات بيرل هاربر عام 1945، وبالتالي نجحت إيران في فرض سيمفونيتها وحضورها في وجه الولايات المتحدة.
هناك فرق كبير بين هجمات بيرل هاربر وهذه الهجمات الإيرانية، ليس على صعيد حجم القوة العسكرية المستخدمة فيهما، وإنما في أن اليابان تعاملت مع الولايات المتحدة ندّا عسكريا في الحرب العالمية الثانية، وكان هدف هجمات بيرل هاربر تدمير القوة العسكرية البحرية 
الأميركية وشلّها، وإخراجها من معادلة الصراع الدولي. وفي الحالة الإيرانية أخيرا، كانت الهجمات على القاعدة الأميركية في العراق بحكم الاضطرار الاستراتيجي، وليس بحكم الاختيار الاستراتيجي، بمعنى أن قتل قاسم سليماني أجبر أصحاب العمائم في طهران على الرد، وإن لم يفعلوا ذلك سيكونون كمن يُفرد السجاد الأحمر أمام الأميركيين للمضي في تنفيذ هجمات أوسع وأخطر.
ومن هنا، الرد الإيراني هو المغزى والهدف الاستراتيجي، بغض النظر عن طبيعة الرد وحجمه، فليس المطلوب توجيه ضرباتٍ تؤذي الأميركيين وتهدّدهم، فهذا مستحيل، وغير قابل للتحقيق. كانت الرسالة الإيرانية محصورة فقط في إبلاغ واشنطن بقدرة طهران على الرد، وأن كل فعل سيُقابل برد فعل، وإن لم يكن بالقوة نفسها وبالاتجاه نفسها.
كتب وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في تغريدة "لقد اتخذت إيران واستكملت إجراءات متكافئة في إطار الدفاع عن النفس، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، من خلال استهداف القاعدة التي شنّت منها هجمات ضدّ مواطنينا وضباطنا رفيعي المستوى، ونحن لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لكننا سندافع عن أنفسنا ضد أي عدوان".
هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ نعم، انتهى عند حدود المناوشات العسكرية المباشرة المحصورة ضمن معادلة الردع والردع المضاد.. تؤكد كلمات ظريف ذلك، كما كلمات ترامب الذي ترك الخيار السياسي والاقتصادي مستمرّا في الصراع. ولكن هذا الصراع لم ينته على مستوى 
الكباش العسكري غير المباشر بين الجانبين، فالطيران الأميركي ـ الإسرائيلي استأنف ضرباته ضد فصائل الحشد الشعبي، ويؤكد ذلك استهداف كتائب الإمام علي على الحدود العراقية ـ السورية.
واضحٌ أن الإدارة الأميركية ستواصل عملية تحجيم القوة العسكرية الإيرانية، بضرب أدواتها العربية، سيما في العراق، حيث الحضور الإيراني الأقوى في العالم العربي، وحيث الحضور الأميركي الأقوى أيضا في العالم العربي. وعلى الأغلب، ستشهد المرحلة المقبلة عملية تصعيد من الجانبين، تأخذ بالاعتبار عدم الإنجرار إلى المغامرات الكبرى التي قد تؤدي إلى خطر الانزلاق نحو حربٍ مفتوحة.
تؤكد التصريحات القادمة من المحور الإيراني أن محاربة الوجود الأميركي في المنطقة قد بدأت، أي أن محاربة الوجود الأميركي لن تكون بأدوات إيرانية مباشرة، وإنما عبر "المقاومة" المحلية في العراق، وإن لم يذكر اسم العراق مباشرة. والمرجح أن سورية ستكون خارج إطار الصراع هذا، أو على الأقل الساحة الفرعية لهذا الصراع، لأسبابٍ كثيرة، وربما ليس مصادفةً 
أن يأتي الرئيس الروسي، بوتين، إلى دمشق بعد مقتل سليماني، لبعث رسائل إلى إيران والولايات المتحدة، بأن سورية محمية روسية لن يسمح بتحويلها باحة للمعارك.
لم يكن اغتيال قاسم سليماني من أجل درء خطر محتمل، فهو على رأس عمله منذ سنوات طويلة، وكان في وسع الولايات المتحدة قتله قبل زمن طويل، أي قبل أن ينجح في التمدد داخل العراق وسورية واليمن، ويشكل قوىً محليةً أصبحت رقما صعبا في إطارها الجغرافي.
تتجاوز عملية القتل المستهدف، في حالات معينة، الأفراد المستهدفين بالقتل، حيث يتحولون إلى هدف سياسي، لا إلى هدف عسكري، وهذا ينطبق على سليماني تماما، فعلى الرغم من أهميته العسكرية، إلا أن قتله كان لأهداف سياسية.. إنها رسالة أميركية مفادها بأن واشنطن لن تسمح لإيران بتجاوز الخطوط الحمر في المنطقة.