وائل علي.. ترميم الذاكرة

07 نوفمبر 2014
الصورة
من عرض المسرحية في بيروت (تصوير: إنديز)
+ الخط -

ما زالت "حرب الأشباح" التي قام بها فريدرك بارتليت عام 1932 مشتعلة. دراسة المحلل النفسي البريطاني تعدّ مؤسِّسة لفهم عمل الذاكرة الترميمية أثناء إعادة بناء حكاية ما. في هذه التجربة، أسمع بارتليت الأفراد المشتركين في تجربته حكايةَ "حرب الأشباح" (من الفلكلور الأميركي)، ثم طلب من كل منهم إعادة روايتها مرات عدة.

مع كل إعادة، كانت مقاطع القصة تقصر، والتفاصيل الملتبسة تتضح، بينما تختفي تفاصيل أخرى، لتبقى التفاصيل المألوفة الجزء الأساسي من الحكاية.

يمكن القول، إذاً، إن ترميم الذكريات فعل يشبه لعبة "التهامس" الصينية (التي تقضي بأن يخبر أحدهم جملة لآخر، لينقل الأخير الجملة إلى الذي يليه، إلخ)، بفارق أن المرء يلعب وحده مع ذاكرته هنا، وكلما استعاد شيئاً وكرّره، زاد عليه تفصيلاً أو أنقص منه.

لا تعمل الذاكرة مثل تسجيل فيديو. التقديم والتأخير لن يجدي هنا، إذ إن لها طريقتها في وضع خط تحت الأمور التي تراها مهمة فعلاً. هذه هي لعبة الترميم التي اشتغل عليها المخرج السوري، وائل علي، في مسرحية "ماعم إتذكر"، التي تعرض على "مسرح مكسيم غوركي" البرليني في 22 و23 من تشرين ثاني/ نوفمبر الجاري، بعد أن كانت عرضت في بيروت أيار/ مايو الماضي، إضافة إلى عرض تجريبي في ليون الفرنسية، حيث يقيم المخرج.

عادةً ما يرى متفرجو المسرح لحظة العمل الراهنة فقط؛ إذ من يكترث بالبروفات؟ لكن الأمر مختلف قليلاً في "ماعم إتذكر"، إذ أن الجمهور معرّض لمشاهدة مسرحية قريبة من تجربة بارتليت.

لقد تعرّضت شخصية المسرحية الرئيسية، حسّان عبد الرحمن، إلى اختبار قاسٍ على يد المخرج منذ صيف 2013؛ إذ عاش الموسيقي المنفيّ محنة الاستعادة والتكرار.

كانت خطّة المخرج إجراء عملية ترميم لذاكرة عبد الرحمن. ولتحقيق ذلك، كان لا بد من ممارسة التذكر، ثم إعادته، ثم تذكر تفاصيل جديدة، ثم مناقضة الذكريات، ثم تكرارها من الأوّل.

كانت التجربة لتكون أكثر سهولة لو أن عبد الرحمن ممثلٌ أو مسرحيّ. لكن الشاهد/ الشخصية الرئيسية، معتقلٌ سوريّ سابق في سجن صيدنايا في ثمانينيات القرن الماضي، وقد طُلب منه أن يسجل مقابلات عن تجربته مع المخرج، أولاً، ثم أن يكون شاهداً على نفسه على الخشبة. وعلى خلفية المسرح، أثناء العرض، تشغّل تسجيلات فيديو لعبد الرحمن، ثم يُسأل عنها، بل ويستجوب أحياناً، مرة أخرى.

أسلوب تحقيقي، يديره على المسرح الممثل السوري، أيهم آغا، يدور في أجواء من الصداقة والاسترخاء الظاهري. أضيف إلى ذلك في ما بعد، التنافس بين ذاكرة حسّان (التي تتراجع، تخطئ، تسهو، تنسى، تتذكر...) وبين ذاكرة الفيديو.

وهنا تحدث لحظة المحاكمة. لكنها ليست محاكمة على طريقة كافكا بالضبط؛ فالمسرحية اشتغلت منذ اللحظة الأولى على نحو ضد- كافكاوي، وإن كانت اشتبكت مع روح عمل الروائي التشيكي في بعض اللحظات.

ساعدت في ذلك خيارات السينوغرافيا التي وضعتها الفنانة والمصمّمة بيسان الشريف، عبر أجواء متقشّة وكأنّنا في غرفة تحقيق: طاولة ومقعدان وشاشة في الخلفية (الفيديو من إعداد سيمون بوشيه)، فحسب.

أمّا آغا، الممثل الوحيد على الخشبة، فيتقلّب بين ثلاثة أدوار: دور آغا الذي خرج من سوريا بسبب الأحداث، ووائل علي، المخرج الذي يملك الحق في السؤال، وصاحب الحكاية عبد الرحمن. آغا هو المتحرك الوحيد على المسرح، بينما لا يبرح عبد الرحمن مقعده.

ما يبدو لافتاً في هذه التجربة، هو تحاشيها كل ما يُتوقع أن يحكيه معتقل في سجون النظام السوري. لقد نهض العمل بالتجربة لتصبح رواية قصيرةً تكتب على المسرح، فيها مسارات مختلفة للشخصية: يرى مشاهد العرض حسّان العاشق، الأب، المعتقل، المتخفي، المنفي.

ويدرك أيضاً أنه أمام شخص يتجنب أي ملمح بطولي، ويقلّل من ملامح الضحية ويخفّف من شأن حكايته. ما زال يخاف، بعد أكثر من عشرين عاماً، من ذكر أسماء رفاقه الشيوعيين. لا يتحدث في السياسة كمحنّك فيها. لا يخجل من استعادة تفاصيل حميمة وطريفة.

ببساطة، يحكي على المسرح عن أول رسالة حب كتبها بعد أن ودّع حبيبته التي استقلت الحافلة: "بعد أن غادر الباص شعرت بالغبطة".

هذا المراهق، الذي كان يعتقد أن الغبطة حزنٌ، سيكون بعد سنوات قليلة متخفيّاً في الحياة السريّة في حمص، قبل أن ينتهي الأمر باعتقاله لثماني سنوات، ليعيش، بعد ذلك، منفيّاً في فرنسا، التي يقيم فيها اليوم.

سيروي أيضاً قصة صناعة العود في السجن. سيُغرق في تذكّر التفاصيل عن صنع صندوق العود بالخبز المعجون، ثم صناعة المفاتيح بأعجوبة، في مشهد قد يكون الأطول، ثم سيعود للحديث عن لوسي، قطة السجناء السريّة، وحياتها الخفية بعيداً عن عيني السجّان.

يظل آغا يلحّ ويسأله: من أين تحب أن تبدأ حكايتك؟ لكنّ عبد الرحمن لا يعتقد أن هناك تفصيلاً ذا أهمية، لا يرتبط بسنوات الحبس المتشابهة، يمكن البدء به، أو يحنّ إليه على الأقل. حياته كلها ارتبطت بالسجن، الذي يصفه بأنه كله "عيون، رجال كثيرون بشوارب، تستيقظ وتجدهم يحيطون بك".

المسرحية ليست تجربة حسّان فحسب. لقد وُفّق المخرج في أن يجد طريقة تستعيد تاريخ سوريا منذ السبعينيات وحتى الثورة والتعقيدات التي تلتها.

وبوجوده كمُسائلٍ من جيل الشباب لعبد الرحمن الذي ينتمي إلى جيل آخر، يفتح علي الأعينَ على مشاعر معقدة يعيشها الإنسان السوري الآن، كالشعور بالذنب، والعجز عن الفهم، والتردّد، والخذلان، والانسحاب، وفقدان الثقة في الحاضر، والرعب من المستقبل، وأسئلة كثيرة ومكرّرة منذ عقود.

سرّ هذه المسرحية يكمن في التكرار الذي أوصل الحكاية إلى ما هي عليه الآن. التكرار هو البطل الخفي لمسرحية "ماعم إتذكر". للفيديو ذاكرة تسجيلية وللبشر ذاكرة ترميمية. ربما يجدر أن يُفكّر في هذا دائماً، في وقت أصبح المرء يعيش، وبقسوة غير مسبوقة، بذاكرتين. حسان عبد الرحمن شاهد شجاع، إذ يقف على الخشبة، دون أن يكون ممثلاً، ليتذكر وينسى أمام الآخرين.

المساهمون